فإنّه عبارة عن الإرادة المتعلّقة بالبعث والتحريك ، وإن كان المراد معلّقا ومقيّدا بقيد المجيء - مثلا - إلّا أنّه لا يرتبط بالإرادة ، والشاهد على تحقّقه صدور الأمر في ضمن الجملة الشرطية عن المولى ، فلذا قال المحقّق العراقي قدّس سرّه بعد تسليم نظر المشهور في الواجب المشروط بثبوت الحكم قبل تحقّق القيد ، وتترتّب على هذه المسألة ثمرات متعدّدة .
ولكن لا بدّ قبل البحث عن تلك الثمرات من التحقيق في حقيقة الحكم وأنّه في الواقع عبارة عن الإرادة المذكورة أو عبارة عن نفس البعث والتحريك الاعتباري ؟
وتدلّ عدّة من المؤيّدات على أنّه لا يكون سوى البعث والتحريك الاعتباري شيئا نسمّيه الحكم والتكليف ، مع أنّ تحقّق الإرادة في نفس المولى لا يكون قابلا للإنكار :
الأوّل : عبارة عن ارتكاز العقلاء ، فإنّهم بعد السؤال عن الوجوب في قول المولى : « إن جاءك زيد فأكرمه » يقولون : إنّه عبارة عن مفاد هيئة « أكرم » وليس ملاك الحكم في ارتكازهم غيره .
المؤيّد الثاني : أنّه لا فرق بين الإيجاد والوجود بحسب الواقع والماهية عند الفلاسفة ، إلّا بإضافة الإيجاد إلى الفاعل بخلاف الوجود ، وهذه النسبة تتحقّق بين الإيجاب والوجوب أيضا ، ولا فرق بينهما إلّا بالاعتبار ، ولا شكّ في أنّ الايجاب يتحقّق بهيئة « افعل » وبقول المولى : « إن جاءك زيد فأكرمه » لا بالإرادة الحاصلة في نفسه ، فالوجوب أيضا تتحقّق بهيئة « افعل » ولازم ذلك أن يكون الوجوب عبارة عن مفاد هيئة « افعل » وإلّا يلزم أن يتحقّق بين الوجوب والإيجاب فرقا ماهويا .
المؤيّد الثالث : أنّ الحكم على قسمين : تكليفي ووضعي ، ولو كان الحكم عبارة عن الإرادة التشريعية هل يمكن الالتزام بهذا المعنى في الأحكام الوضعية ؟ فإنّ الملكية ليست بحكم للشارع ، بل الحكم عبارة عن الإرادة التشريعية المتعلّقة بثبوت الملكية
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 592
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٩٢