الحكم بأنّه إذا جعل الشارع الطهارة شرطا لها فعلم أنّ تحقّق المشروط بدون الشرط ممتنع ، والحاكم بهذا الامتناع هو العقل . والأساس في باب المقدّمية عبارة عن الأمر الثاني الذي يكون الحاكم به العقل ، فلا بدّ من حمل عبارة صاحب الكفاية قدّس سرّه على هذا ، لا أنّ المقدّمية واقعية كشف عنها الشارع . والحاصل أنّ المقدّمات الشرعية ترجع إلى المقدّمات العقلية على هذا البيان أيضا .
التكملة الثانية : أنّه يمكن أن يقال : إنّ كلام المحقّق الخراساني قدّس سرّه تمام ، بل ليس قابلا للإنكار فيما كان تعبير الشارع ، مثل جعلت الطهارة شرطا للصلاة أو اعتبرتها شرطا لها . وأمّا إذا كان التعبير مثل « لا صلاة إلّا بطهور » فمعناه أنّ الصلاة لا تتحقّق إلّا بوجود الطهور ، فالشارع تعرّض ما هو الأساس في المقدّمية ولا دخل للعقل وحكمه فيه ، فكيف تكون المسألة مسألة عقلية ؟ !
قلت : أوّلا : أنّ الشارع بيّن بقوله : « لا صلاة إلّا بطهور » الأمر الأوّل الذي لا بدّ منه في مقدّمية المقدّمة ، ولكن بالتعبير الكنائي ، فمعناه أنّه يشترط في الصلاة الطهارة .
وثانيا : إن قلنا : إنّه بيّن به الأمر الثاني الذي لا بدّ منه في المقدّمية ، ولا شكّ في أنّه إرشاد إليه ، ومن البديهي أنّه يكون في صورة المفروغية عن الأمر الأوّل ، وعلى أي حال يرتبط ما هو الأساس في المقدّمية بحكم العقل - أي عدم تحقّق ذي المقدّمة بدون المقدّمة - فلذا ترجع المقدّمات الشرعية إلى المقدّمات العقلية .
وأمّا المقدّمة العادية : فكان لصاحب الكفاية قدّس سرّه « 1 » فيها بيان يوافقه التحقيق ، وحاصله : أنّ المقدّمة العادية إن كانت بمعنى عدم توقّف ذيها عليها بحسب الواقع بحيث يمكن تحقّق ذيها بدونها ، إلّا أنّ العادة جرت على الإتيان به بواسطتها ، فهي وإن كانت غير راجعة إلى العقلية إلّا أنّه لا ينبغي توهّم دخولها في محلّ النزاع ؛ إذ المقدّمة
هامش
( 1 ) كفاية الأصول 1 : 143 .