وثانيهما : أن يكون البيّن بمعنى الأعمّ أيضا من الدلالة اللفظية . وكلاهما مخدوش :
أوّلا : بأنّ عدّة من العلماء ينكرون أساس المصلحة والمفسدة كالأشاعرة ، فللمولى عندهم أن ينهى عن شيء بدون أن يكون هذا الشيء مشتملا على المفسدة ، أو تكون في النهي مصلحة وهكذا في المأمور به .
وثانيا : أنّ على القول بوجود المصلحة والمفسدة في المأمور به والمنهي عنه ، وأنّ الأمر يدلّ على وجود مصلحة في البين ، ولكنّه مردّد بين أن يكون في المأمور به وبين أن يكون في نفس الأوامر مثل الأوامر الاختبارية والاعتذارية ، كما أنّ في النواهي تكون مردّدة بين تحقّقها في المنهي عنه وبين تحقّق المصلحة في نفس النهي ، فكيف يوجب تصوّر الأمر الانتقال إلى المصلحة الملزمة المتحقّقة في المأمور به ؟ ! ولو فرضنا أنّ الأمر يدلّ على وجود مصلحة ملزمة في المأمور به وأنّ اللزوم بين الأمر والمصلحة يكون بنحو البين بمعنى الأعمّ فلا يتمّ المطلوب أيضا ؛ لعدم إحراز كونه من الدلالة اللفظية ، فيكون عنوان صاحب الكفاية خاليا عن الإشكالات المذكورة ، وأولى من عنوان صاحب الفصول .
ولا بدّ لنا قبل الورود في البحث من تحرير محلّ النزاع حتّى يظهر أنّ هذا المبحث هل يكون من المباحث العقلية أو من مباحث الألفاظ ، أو قسم منه عقلي والقسم الآخر منه لفظي ؟ وهو يحتاج إلى مقدّمة ، وهي أنّ الأوامر على ثلاثة أقسام : الأوّل :
الأمر الواقعي الأوّلي أو الاختياري ، الثاني : الأمر الواقعي الثانوي أو الاضطراري ، الثالث : الأمر الظاهري .
ويتحقّق في الأوّل خصوصيتان : الأولى : كون المكلّف مختارا ، الثانية : كون المكلّف قاطعا بالتكليف وكونه عالما بأنّ وظيفته كذا ، كقول الشارع : أقم الصلاة مع الوضوء إن كنت واجدا للماء .
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 501
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٥٠١