الإشكال في تحقّق الانصراف في ما نحن فيه بعد أن نرى استعمال الهيئة في الواجبات الغيرية والتخييرية والكفائية بحدّ لعلّه كان أزيد من استعمالها في الواجبات النفسية والتعيينية والعينية ، فكيف يمكن ادعاء الانصراف ؟ !
واختار سيّدنا الأستاذ الإمام قدّس سرّه « 1 » في أصل دلالة هيئة « افعل » على الوجوب طريقا يجري في ما نحن فيه أيضا ، وهو أنّ الأمر الصادر من المولى يحتاج إلى الجواب ، ومجرّد احتمال الاستحباب لا يكون عذرا على المخالفة ، والعقل يحكم بالامتثال في مقام تحيّر العبد ، بأنّ البعث الصادر عن المولى إيجابي أو استحبابي ، وهكذا نقول : إذا أمر المولى بالوضوء - مثلا - وشككنا في أنّه واجب نفسي أو غيري حتّى يكون وجوبه متوقّفا على الوجوب الصلاة فالعقل يحكم بالامتثال ، ومخالفة العبد بدليل احتمال كون الوجوب غيريا لا يكون عذرا ، بل العقل يحكم بأنّ التكليف المسلّم من المولى يحتاج إلى الجواب ، فنستفاد من هذا الطريق النفسية ، وهكذا في الواجب التعييني والعيني ، هذا تمام الكلام في هذا البحث .
المبحث السادس : وقوع الأمر عقيب الحظر .
فبعد البناء على ظهور صيغة الأمر في الوجوب إذا وقع الأمر عقيب الحظر أو في مقام توهّمه ظنّا كان أو شكّا أو وهما هل يكون موجبا لارتفاع هذا الظهور فلا تدلّ حينئذ على الوجوب أم لا ؟ والأنظار في هذه المسألة مختلفة ، نسب إلى بعض العامّة ظهورها في الوجوب كوقوعها في غير هذه الموقعية ، وإلى بعض تبعيّتها لما قبل النهي إن علّق الأمر بزوال علّة النهي كما في قوله تعالى :
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
« 2 » فإنّ الأمر علّق بالانسلاخ الذي هو عبارة عن انقضاء الأشهر الحرم التي هي علّة النهي ، فيفيد الوجوب الذي كان قبل الحظر ، وفي قوله تعالى :
وَإِذا
هامش
( 1 ) مناهج الوصول إلى علم الأصول 1 : 282 .
( 2 ) التوبة : 5 .