التي كانت مستندة لجريان أصالة البراءة مطلق البيان أو بيان ما يمكن أخذه في المتعلّق ؟ ونحن نستكشف من إضافة « لا » النافية إلى كلمة « البيان » أنّ المراد هو الأوّل ، فحينئذ لا فرق بين المقام ودوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين من حيث جريان أصالة البراءة ، بعد أنّ البيان ممكن للمولى في كلتا الصورتين ، إلّا أنّ الفرق في طريق البيان فلا دليل للتفكيك بين المقامين من هذه الناحية .
ويمكن أن يقال : إنّ ترتّب الغرض على تحقّق المأمور به كما أنّه كان منشأ لصدور الأمر وحدوثه كذلك كان منشأ لبقائه إلى حين حصول الغرض ، مثلا إذا قال المولى لعبده : جئني بالماء والعبد بعد إعطاء الماء لاحظ أنّ غرضه يعني رفع العطش فلم يحصل بسبب انكسار ظرف الماء الذي بيده ، فالعقل يحكم بإعطاء الماء إليه ثانيا بدون الاحتياج إلى الأمر الثاني ، وهكذا في المقام بعد العلم بأصل الوجوب ، والشكّ في حصول الغرض باتيان الواجب بدون قصد القربة العقل يحكم برعاية قصد القربة رعاية لحصول غرض المولى .
والجواب عنه أوّلا بالنقض : بما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين ، فإنّا في مورد الشكّ في الجزئية والاكتفاء بالأقل أيضا نشكّ في حصول الغرض ، فلا بدّ هاهنا أيضا من الاحتياط ، مع أنّه خلاف الفرض ، فإنّ هذا البحث في المقام كان بعد فرض القول بالبراءة في الشكّ في الجزئية .
وثانيا بالحلّ : أنّ غرض المولى قد يكون مشخّصا للعبد في باب الأوامر وقد يكون غير مشخّص له إن كان بالصورة الأولى ، فالعقل يحكم باتيان ما يتحقّق به غرض المولى ، بل لا يحتاج إلى الأمر أصلا ؛ لأنّه طريق لتعيين غرضه . ومعلوم أنّ الطريق والأمارة إنّما يكون في مورد إذا كان الغرض فيه مجهولا ، وأمّا إن كان بالصورة الثانية وكان بعض الأمور مشكوك المدخلية في المأمور به وتحقّق الغرض فليس للعقل الحكم برعاية شيء مشكوك ، فنتمسّك بأصالة البراءة هاهنا مثل دوران الأمر
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 467
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٤٦٧