تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
وأمّا الكاشف عن شدة الإرادة وضعفها قد يكون ما يتحقّق بعد تحقّقها في النفس من الأعمال والأفعال ، فإنّ بين إرادة نجاة الغريق مغايرة وإرادة إصلاح اللّحية - مثلا - فرق واضح ؛ إذ الأولى لا تكون قابلة للزوال بل تجرّ المريد بالشدة والسرعة نحو المراد ، بخلاف الثاني ، وقد يكون عوامل دخيلة في تكوين الإرادة ، والمهم منها مقدار إدراك المريد أهمّية المراد وعظمته ، فكلّما كان إدراك الأهميّة أقوى تكون إرادة الإيصال إليه أقوى ، فإنّا نعبد اللّه تعالى عن إرادة - مثلا - والأئمة عليهم السّلام أيضا يعبدون اللّه تعالى عن إرادة ، ولكن بين إرادتنا وإرادتهم عليهم السّلام بالنسبة إلى تحقّق العبادة في الخارج فرق واضح ؛ للفرق بين إدراكنا وإدراكهم عليهم السّلام عن عظمته تعالى وأهمّية عبادته تعالى . ومن هنا نشير بالمناسبة إلى مسألة العصمة ، فإنّ المعصوم لا يمكن صدور المعصية منه مع أنّه قادر على فعلها ، ومن عوامل العصمة الإدراك الكامل والعلم المحيط بالنسبة إلى قبح المعاصي وشناعتها ، فالأئمة عليهم السّلام بلحاظ علمهم بالآثار وعواقب المعاصي والمحرّمات كانوا معصومين منها ، مع أنّهم ليسوا مجبورين على تركها ، كما أنّ العصمة تتحقّق لأكثر المتشرّعة بالنسبة إلى بعض المعاصي - مثل كشف العورة في الملأ العام والزنا مع المحارم - بلحاظ علمهم بشناعتهما مع قدرتهم على فعلهما . الثالث : أنّ كلّ فعل اختياري بمعنى الأعمّ يدلّ بدلالة عقلية على وجود الإرادة في النفس ، فالقول أيضا فعل اختياريّ للقائل وكاشف عن الإرادة ومسبوق بها ، ولا بدّ لكلّ إرادة من المبادئ والمقدّمات ومن العنايات الإلهية إهداء خلّاقيّة الإرادة إلى نفس الإنسان ، فإنّه إذا تكلّم ساعة لا بدّ له من إرادة كلّ واحد من الألفاظ وإرادة معناه وهيئته وتركيبه مع لفظ آخر ، وكلّ ذلك يتحقّق سريعا بلحاظ خلّاقيّة النفس ، فيكون صدور هيئة « افعل » عن المولى فعلا اختياريّا له ومسبوقا بالإرادة . إذا عرفت هذا فنرجع إلى أصل المسألة ، وأنّ هيئة « افعل » وضعت للبعث