التلبّس يكون حقيقة بلا إشكال ولو كان الجري بعد الانقضاء مثل قولك : زيد كان مضروب بكر أو مقتوله ، وأمّا إن كان الإطلاق بعد الانقضاء بلحاظ حال النسبة والجري - مثل قولك : زيد مضروب بكر في هذا اليوم - لا يكون حقيقة ولا يخلو عن المسامحة . وثالثا : أنّه لا يصحّ التفكيك بين اسم الفاعل والمفعول مع أنّهما متضايفان ، فإن كان إطلاق المضروب بعد الانقضاء بنحو الحقيقة يكون إطلاق الضارب بعد الانقضاء أيضا كذلك . فهذا الدليل باطل .
الثالث : دلالة آية حدّ السارق والسارقة والزاني والزانية على الأعم ؛ بأنّ حين إجراء الحدّ يصدق عليهم هذه العناوين بنحو الحقيقة ؛ لأنّ الحدّ منوط لمصداق هذه العناوين ، وإن قلنا : بعدم صدقها بعد الانقضاء بنحو الحقيقة فهو مخالف لصريح الآية الشريفة ، فيستفاد منها أنّ المشتق حقيقة في الأعم ، كما استدلّ بها أيضا المفصّل بين المحكوم عليه والمحكوم به .
وفيه أوّلا : أنّا نعلم خارجا أنّ آيات الحدود منوطة بأصل تحقّق المبادئ لا بصدق العناوين بنحو الحقيقة ، فالموجب للحدّ هو تحقّق الزنا والسرقة ، سواء صدقت عليه العناوين بنحو الحقيقة أو المجاز . وثانيا : أنّ إطلاق هذه العناوين بعد الانقضاء يكون بلحاظ حال التلبّس ، مثلا : السارق ، يعني من كان متلبّسا بالسرقة في ظرف تحقّق السرقة ، والزاني يعني : من كان متلبّسا بالزنا في ظرف تحقّق الزنا ، ولا شكّ في أنّ استعمال المشتق بلحاظ حال التلبّس في موارد الانقضاء حقيقة . وثالثا :
أنّ الاستعمال في المنقضي في القضايا الحقيقيّة غير معقول ، بل يكون الاستعمال فيها دائما في المتلبّس ، فإنّ القضيّة إن كانت خارجيّة - مثل زيد ضارب - يتصوّر لها حالتي التلبّس والانقضاء ، وأمّا إن كانت حقيقيّة فلا يعقل فيها حال الانقضاء ؛ إذ الموضوع فيها عبارة عن الأفراد المقدّرة الوجود والمحقّقة الوجود ، ولا يختصّ بأفراد محقّقة الوجود وحده ، كما في قوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ