تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ذكروا هاهنا وجهين : الأوّل : منها ينتج من ضمّ مقدّمتين : إحداهما : أنّ الاشتراك في لغة لا يستلزم الاشتراك في كلّ لغة ، فإنّا نرى أنّ لكلّ قبيلة أو بلد اصطلاحات خاصّة مع اشتراكهم في أصل اللغة ، مثلا يراد من لفظ « العين » في بلد من بلاد العربية العين الباكية وفي بلد آخر منها العين الجارية ، فالاصطلاحات متغايرة بحسب البلاد في زماننا هذا وبحسب القبائل في الأزمنة السابقة ؛ لأنّ الواضع لا يكون ذات الواجب ولا شخص معيّن خاصّ ، بل لكلّ قبيلة وضع خاصّ واصطلاح مخصوص . وثانيتهما : أنّ ديدن المحقّقين من اللّغويين كان استفادة اللّغات من ألسنة الأقوام والقبائل ، فإذا رأى اللّغوي أنّ في قبيلة يراد من لفظ العين - مثلا - العين الباكية وقبيلة أخرى يراد منها العين الجارية فلا بدّ له حين الكتابة من كتابة جميع المعاني ؛ بأنّ العين - مثلا - يكون حقيقة في سبعين معان ، فيكون أحد من منشآت الاشتراك اختلاف المعاني في القبائل في الأزمنة السابقة واختلافها في البلاد في زماننا هذا . الثاني : فقد مرّ أنّ الغرض من الوضع هو التفهيم والتفهّم ، ولا يخفى أنّ ذلك على نوعين : فإنّ غرض المتكلّم قد يتعلّق ببيان المراد بنحو كامل واظهاره ما في ضميره بنحو الأجلى للمخاطب ، وقد يتعلّق غرضه ببيان المراد بنحو الاجمال . ومعلوم أنّ الاشتراك اللفظي أحسن طريق لبيان المراد على النحو الثاني ، فيقضي غرض الوضع تحقّق الاشتراك في اللّغات . ويمكن لنا بيان منشأ آخر للاشتراك وهو : أنّ الواضع وضع لفظ « الأسد » للحيوان المفترس ، ولكنّه استعمل كثيرا في المعنى المجازي بحيث صار حقيقة فيه في مقابل المعنى الحقيقي ؛ بحيث أنّ المخاطب حين استماع كلمة « الأسد » بلا قرينة يصير متحيّرا في أنّ المراد منه ما هو ؟ فيتحقّق هاهنا الاشتراك اللفظي بصورة الوضع التعيّني ، فهذا أيضا منشأ للاشتراك اللفظي ، كما لا يخفى .