تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
ومعلوم أنّ هذا المعنى لا يساذج مع الاشتراك . والجواب عنه : انّه قد اختلط المستدل بين مقام الوضع والاستعمال ؛ إذ لا شكّ في أنّ الواضع يلاحظ اللفظ مستقلّا كالمعنى ثمّ يجعله علامة للمعنى ، وقد مرّ مرارا أنّ الوضع مثل تسمية الأب لمولوده من جهة استقلال اللفظ والمعنى معا . نعم : بعد تحقّق الوضع وإيصال النوبة إلى مقام الاستعمال يتعلّق غرض المستعملين بإلقاء وتلقّي المعنى فقط ، ويكون التفاتهم إلى اللفظ التفات المرآتي ، بل اللفظ يكون فانيا في المعنى بحدّ كأنّه لم يسمع أصلا . فهذا الدليل ليس بتمام . ومن الوجوه التي استدلّ بها القائل باستحالة الاشتراك : أنّ حقيقة الوضع عبارة عن جعل الملازمة الذهنية بين اللفظ والمعنى ؛ بحيث أنّ اللفظ لا يكاد ينفكّ عن المعنى ، والمعنى لا يكاد ينفك عن اللفظ ، فعليه يلزم من الوضع للمعنيين أن يحصل عند تصور اللفظ الانتقالان المستقلّان دفعة واحدة ، وسيأتي أنّ هذا المعنى مستحيل عند عدّة من المحقّقين ، فكيف يعقل الملازمة بين اللفظ والمعنى الأوّل والثاني وعدم انفكاكهما عنه ؟ ! والجواب عنه : أنّ هذا المبنى مخدوش من رأسه ؛ إذ الوضع لا يكون عبارة عن جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى فإنّهما من المتباينان ، ولا يمكن جعل الملازمة التكوينيّة بينهما للواضع ، ولا معنى لجعل الملازمة الاعتباريّة مضافا إلى أنّ الواضع في مقام الوضع يقيم الوضع مقام الإشارة اللفظيّة حتى يعرف المشار إليه في حال الحياة والموت ، والحضور والغياب باللفظ الموضوع ، فامتناع الاشتراك كضرورة وجوده ليس بتمام ، بل هو أمر ممكن الذي تحقّق في الخارج ، بل نرى تحقّقه بين المعنيين المتضادين ، مثل : لفظ « القرء » بمعنى الطهر والحيض وأمثال ذلك . ولكنّه يمكن أن يقال : إنّه لا نحتاج إلى الاشتراك ، مع أنّ الألفاظ كانت وافية للمعاني ، فلا موجب له ، فما الدليل لتحقّقه ؟