تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
وأمّا التحقيق في الجواب يحتاج إلى مقدّمتين : أحدهما : أنّ المسبّبات التي وضعت الألفاظ والعناوين لها عبارة عن المسبّبات العرفيّة لا الشرعيّة ، ولكن الشكّ في السببيّة الشرعيّة بعد إحراز السببية العرفية ، فإنّا نعلم أنّ المعاطاة والبيع بالفارسيّة وأمثال ذلك لها سببيّة عند العرف ، ونشكّ في إمضاء الشارع لسببيتها وعدمه . وثانيهما : أنّ المسبّب كالملكيّة وإن كان من الأمور الاعتباريّة إلّا أنّها تتعدّد باختلاف طرف إضافتها ، فإنّ ملكية « زيد » للكتاب غير ملكيّة « عمرو » له ، وإذا صار ملكا له فهذه ملكيّة أخرى لا نفس تلك الملكيّة ، وهكذا ملكيّة « زيد » لكتابه غير ملكيّته لداره ، فللملكيّة مصاديق متعدّدة ، إلّا أنّ جميعها مشتركة في الملكية الاعتبارية كاشتراك أفراد الإنسان في الماهيّة النوعيّة - أي الإنسانيّة . وإذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الأسباب المتعدّدة التي تكون بعضها متيقّن السببيّة وبعضها مشكوك السببيّة ليس لها مسبّب واحد حتى لا يكون إمضاء المسبّب ملازما لإمضاء الأسباب المشكوكة ، بل كان لكلّ سبب مسبّب خاصّ ، فإذا باع أحد كتابه ببيع المعاطاة أو العقد بالفارسية لا شكّ في تحقّق السبب العرفي وشمول إطلاق
« أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
له ، ولا معنى لإمضاء الملكيّة الحاصلة عقيب المعاطاة والبيع بالفارسيّة ، بدون إمضاء هذين السببين ، فلا محالة إمضاء المسبّب يستلزم إمضاء السبب أيضا . وبعبارة أخرى : أنّ المراد من وحدة المسبّب ما هو ؟ وإن كان المراد الوحدة الشخصيّة الخارجيّة فهو خلاف الواقع ، فإنّ لكلّ بيع مسبّب خاصّ ، ويدلّ عليه تغيير الملكيّة بتغيير طرف إضافتها . وإن كان المراد منها الوحدة النوعيّة والسنخيّة وله مصاديق متعدّدة - وإطلاق الآية الشريفة يشمل جميعها - فإمضاء المسبّب بالإطلاق إمضاء للسبب العرفي ، ولو كان مشكوكا من حيث الشرع فلا يعقل صحّة الملكيّة الواقعة عقيب المعاطاة بدون المعاطاة ، ولا يكاد ينفكّ إمضاء المسبّب عن السبب فيتمسّك في موارد الشكّ بالإطلاق ، وينفي به المشكوك الشرطيّة أو الجزئية .