الأولى : أنّ البيع في الآية الشريفة لا يمكن أن يكون بيعا شرعيّا ، فإنّ شرعيّته مأخوذة من هذه الآية ، فلا معنى لكون موضوعه فيها بيعا شرعيّا ، فلا بدّ من كونه فيها بيعا عرفيّا ، وإذا كان الأمر كذلك فمعناها أنّ كلّ ما كان عند العقلاء بيعا صحيحا فقد أمضاه اللّه تعالى ، وكأنّه تحقّق الملازمة بين صحّة البيع عند العقلاء وصحّة البيع عند الشارع ، فحينئذ يمكن أن يستشكل بأنّا نرى عدم تحقّق الملازمة في موارد متعددة ، كالبيع الربوي والبيع الغرري وأمثال ذلك ممّا حكم الشارع ببطلانها ، مع أنّه عند العقلاء يكون من المعاملات المعمولة والشائعة ، فكيف تدلّ الآية بالملازمة بينهما ؟ !
والجواب عنه : أنّ الآية تكون بمنزلة قاعدة كلّية ، وكانت لها مقيّدات متعدّدة التي لا توجب الخدشة في إطلاقها ؛ لأنّ التقييد كالتخصيص تصرّف في الإرادة الجديّة لا في الإرادة الاستعماليّة ، فلذا لا يوجبان التجوّز في لفظ العام والمطلق ، وكما أنّ لسائر المطلقات تحقّق المقيّدات ، وفي موارد الشكّ يتمسّك بالإطلاق ، وهكذا في باب المعاملات . مع أنّ في خصوص البيع الربوي خصوصيّة لا يتحقّق في موارد أخر ، وهو أنّ التعبير بالإطلاق والتقييد فيما إذا كان القيد متصلا لا يخلو عن المسامحة والعناية ؛ إذ لا إطلاق في البين ، بل الحكم كان مقيّدا من الابتداء ، فالإطلاق والتقييد يتحقّقان فيما إذا كان القيد منفصلا ، وأمّا في الآية الشريفة فقد ذكرت جملة : « حرّم الربا » عقيب جملة
« أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ »
وكأنّما قال سبحانه : الربا ليس ببيع من الابتداء ، ويستفاد من مجموع الجملتين أنّه : أحلّ اللّه البيع الغير الربوي ، أو أنّ الربا غير مشروع ؛ لأنّه ليس ببيع كما يفهمه العرف من مقابلة البيع والربا في الآية . فالجملة الثانية تشبه الأولى بدليل الحاكم ، فكأنّ الأولى تقول :
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
. والثانية تقول : البيع الربوي ليس ببيع عند الشارع .
المسألة الثانية : أنّه قد مرّ أنّ نزاع الصحيحي والأعمّي في ألفاظ المعاملات