هاهنا أيضا ، ومنها : أنّ الوضع من المسائل العقلائيّة ، والغرض منه التفهيم والتفهّم بسهولة ، وأنّ الموضوع له إذا كان مركّبا ذا أجزاء وشرائط فيكون من خصوصيّاته أنّ الحاجة الاستعمالي إلى فاقد بعض الأجزاء والشرائط تكون أوفر وأكثر من الحاجة الاستعمالي إلى واجده لجميع الأجزاء والشرائط ، فحكمة الوضع تقتضي أن يكون الموضوع له هو الأعم من الفاقد والواجد ، كما يؤيّده وضع المخترعين إذا اخترعوا شيئا كالسيارة والطيارة . وهكذا في باب المعاملات إذا كان الموضوع له لعنوان البيع - مثلا - السبب المركّب من الأجزاء والشرائط فحكمة الوضع تقتضي أن يكون استعماله في الواجد والفاقد بنحو الحقيقة .
إلّا أنّه يمكن أن يقال : بأنّ المقرّ إذا أقرّ في محضر الحاكم بأنّه باع داره لزيد لا شكّ في أنّ الحاكم يحكم بردّ الدار إلى المشتري بدون استيضاح منه بكون البيع فاسدا أم صحيحا ، وهذا دليل على أنّ البيع وضع للصحيح فقط ، وهكذا في سائر ألفاظ المعاملات .
وأمّا الجواب عنه يحتاج إلى مقدّمة وهي : أنّ معنى الوضع للأعمّ ليس استعمال لفظ البيع - مثلا - في كلّ الموارد في معنى الأعمّ وإرادته ، بل يمكن استعماله فيه وإرادة خصوص بيع الصحيح أو الفاسد ، فإنّ استعماله في خصوص الصحيح أو الفاسد يستلزم المجازيّة ، فلا بدّ من الاستعمال في الأعم وإقامة القرينة على إرادة خصوص الصحيح أو الفاسد ، فيكون للاستعمال في الأعم على ثلاثة أنحاء من الإرادة ؛ لأنّه قد يستعمل فيه ويراد المعنى الأعم ، وقد يستعمل فيه ويراد به خصوص معنى الصحيح بقرينة معيّنة ، وقد يستعمل فيه ويراد به خصوص معنى الفاسد بقرينة معيّنة .
إذا عرفت هذا فنقول : إنّ المقرّ في مقام الإقرار إذا قال : « بعت داري » فقد استعمل لفظ البيع في المعنى الأعمّ ، لكنّه في البين قرينة على انطباق هذا المعنى الأعمّ في خصوص الصحيح ، وهي عدم لغويّة الإقرار في محضر الحاكم ، وكونه أمرا منشئا
دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 270
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٧٠