تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأصول ( دار التفسير ) — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
السالفة ؛ لأنّه وإن كان ممكنا في نفسه إلّا أنّه لا شاهد عليه ، لا من الآيات ، ولا من الروايات ، مع أنّه لو كان كذلك لا فائدة لنا في بحث الحقيقة الشرعيّة ، فإنّ جميع الاستعمالات في لسان النبي صلّى اللّه عليه وآله يحمل على المعاني السابقة . الجهة الثالثة : في أنّه لا بدّ للوضع من موقعية تقتضي تحقّقه فيها ، ولا معنى له بدونها ، فإنّ الواضع بعد ملاحظة أنّه كان معنى الصوم - مثلا - موردا لابتلاء الناس وأنّ تفهيمه من طريق الإشارة مشكل وضع هذا اللفظ لهذا المعنى ؛ لغرض السهولة في التفهيم والتفهّم ، فإذا جاء رسول من اللّه تعالى بدين جديد ومسلك حادث كان موقعيّة وضعه عبارة من حين تبعيّة الناس عنه ورغبتهم إليه وبسط دينه ، فهو بعد ملاحظة احتياجه واحتياج امّته إلى استعمال الألفاظ في المعاني المستحدثة يضع الألفاظ للمعاني على فرض تحقّقه بسبب النبي صلّى اللّه عليه وآله . فبناء على ذلك كان المقتضي له زمان تقرّره وحياته في المدينة ، لا زمان حياته في مكّة ، حيث إنّ تابعيه في ذلك الزمان كانوا في غاية القلّة ، مع أنّا نرى وجود ألفاظ العبادات في الآيات المكيّة النازلة في ابتداء البعثة ، كقوله سبحانه في سورة المزمل :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
« 1 » وقوله تعالى في سورة الأعلى :
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
« 2 » . ولا شكّ في أنّ المراد من الصلاة هي العبادة المخصوصة ، وأنّ دلالتها عليها ليست بمعونة قرينة حالية أو لفظيّة ، فإنّا نرى عدم وجود قرينة لفظيّة في الآية ، فأمّا القرينة الحالية فليست متناسبة للكتاب الذي كان بعنوان معجزة باقية إلى يوم القيامة ، فكيف وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هذه الألفاظ لذلك المعاني مع أنّ الموقعيّة لم يقتضيه أصلا ؟ ! وأمّا قوله صلّى اللّه عليه وآله في حديث : « صلّوا كما رأيتموني اصلّي » « 3 » ليس بقرينة ، بل هو
هامش
( 1 ) المزمل : 20 . ( 2 ) الأعلى : 15 . ( 3 ) البحار : 82 : 279 .