من الشرائط العامّة للتكليف ، والحاكم بهما هو العقل ، فالعلم شرط للتكليف بحيث إن لم يبيّن المولى أو لم يصل بيانه إلى المكلّف لا يكون العبد مكلّفا ، وهكذا مسألة القدرة ، وإذا كان العبد عاجزا فليس بمكلّف ، والمراد من القدرة هي القدرة العقليّة ، بخلاف كلمة الوسع في قوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 1 » ؛ إذ المراد منه هو القدرة العرفيّة ، ويكون الباري هاهنا في مقام التفضّل ، والظاهر أنّه لا فرق في معنى الشرطيّة بين هذين الشرطين وسائر الشرائط الشرعيّة ، مثل : الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، وهو أنّ الواجد لهذا الشرط يكون مكلّفا ، وفاقده لا يكون مكلّفا ، فلا بدّ أن يكون العلم والقدرة أيضا كذلك ، أي العالم بالتكليف مكلّف والجاهل به غير مكلّف ، والقادر على إتيان المكلّف به مكلّف والعاجز عنه ليس بمكلّف .
ومن المعلوم أنّ الشرائط الشرعيّة يكون بيانها بيد الشارع ولا دخل للعقل فيها ، وأمّا إذا كان الشرط عقليّا فلا بدّ له من ملاك عقلي ، وبعد مراجعة العقل فيما نحن فيه نرى تحقّق قاعدة مسلّمة عنده ، وهي قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، يعني يحكم العقل بقبح مؤاخذة العبد الجاهل لمخالفته تكليف لم يبيّن له .
ومن هنا نفهم أنّ التكليف متوجّه إلى الجاهل أيضا ، ولا يكون مثل غير المستطيع ؛ إذ لا يصحّ التعبير بأنّه يقبح مؤاخذة غير المستطيع لمخالفة الحجّ ، فإنّه ليس بمكلّف أصلا ، ولكن الجاهل مكلّف ، وتتحقّق منه مخالفة التكليف ، إلّا أنّه لا يصحّ للمولى أن يؤاخذه ويعاقبه .
ويؤيّده قوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 2 » ، وهو أيضا
هامش
( 1 ) البقرة : 286 .
( 2 ) الإسراء : 15 .