المعتزلة ومنه يعلم مراد الأشاعرة أو المراد ان المعتزلة يقول إن للأفعال حسنا وقبحا منظورين في حكم اللّه وهذا الأخير كما ترى يرجع إلى بعض ما تقدم وقد يقال إن المراد من أنه لا يحكم العقل بالحسن والقبح في حكم اللّه انه ليس بحسن في مرتبة حكم اللّه ولا يتحقق معه على ما يقوله المعتزلة من تقدّم ذلك الحسن على حكم اللّه والمتقدم يصحّ ان يقال إنه في مرتبة المتأخر بدون العكس بل هو متأخر عنه على ما زعمه الأشاعرة من كون حكم اللّه تعالى وضعه سببا لكون الفعل حسنا ومتقدما عليه والظاهر أن مرجع هذا إلى ما تقدم آنفا وقد أورد عليه انه لا يصح ان يقال إن المتقدّم في مرتبة المتأخر إذ معنى كون الشيء في مرتبة آخر انه ان كان الآخر معلولا كان هو أيضا معلولا معه وان كان الآخر علة كان هو أيضا علة معه فعلى هذا إذا كان المتقدّم موجودا في مرتبة المتأخر يلزم ان يكون متأخرا عن نفسه وانه مح وأورد أيضا ان هذا مستلزم للاستدراك في العبارة إذ عدم حكم العقل يستلزم تأخره عن الشرع وبالعكس فأحدهما مغن من الآخر بان يقال إنه ليس بحسن ولا قبيح من مرتبة حكم اللّه تعالى أو يقال إنه لا يحكم العقل بأنه حسن أو قبيح فما وجه الجمع هذا وأنت خبير بما في الايراد الأول إذ ليس مراد الموجّه من كون المتقدم في مرتبة المتأخر دون العكس كونها في المقام من قبيل رتبة العلل أو المعلولات حتى يلزم المح المذكور بل المراد التساوق في الحجية اى ان المتقدم غير فاقد لما حازه المتأخر من هذه الجهة دون العكس ثم ليس التقدم على نحو التقدم الزماني إذ الحسن الواقعي في الأشياء متساوق الجعل الإلهي غير منفك بأحدهما عن الآخر بل التقدم بحسب الاطلاع والادراك وستطلع على حقيقة الحال هذا واما قضية الاستدراك مما في مخره الا ان الامر فيه سهل فعلى ما قررنا لا استدراك ولا حزازة وإذا عرفت هذا فاعلم أنه قال في المواقف بعد ذكر المعنى الثالث فهو عندنا شرعي وذلك لان الافعال كلها سواء ليس شيء منها بحيث يقتضى مدح فاعله وثوابه ولا ذم فاعله وعقابه وانما صارت كل بواسطة امر الشارع بها ونهيه عنها وعند المعتزلة عقلي فإنهم قالوا للفعل في نفسه مع قطع النظر عن الشرع جهة محسّنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا أو مقبّحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا ثم إنه قد يدرك بالضرورة وقد يدرك بالنظر وقد لا يدرك بالعقل أصلا ولكن إذا ورد شرع علم أن ثمة جهة محسّنة أو مقبحة انتهى فيكون حاصل النزاع هل الفعل في نفسه بحيث إذا ادركه العقل على هذه الحيثية مدح فاعله ورغبة فيه أو لام فاعله ولا يلائمه هذا من الفاعل أم ليس كل في نفسه وانما يصير كل بمواضعة من الشارع واصطلاح منه فالامامية والمعتزلة على الأول والأشاعرة على الثاني فليس معنى حكم العقل بالمدح والذم عند الأولين ادراكه ذلك بالفعل لمنافاته تحقق القسم الثالث الذي أشار اليه في المواقف وعول على ما فيه في تحرير النزاع كلتا الفرقتين بل معناه على وجه الشرطية المذكورة بمعنى انه لو علم العقل بالفعل على ما هو عليه في الواقع وجهاته الداخلة والخارجة لحكم بذلك وإذا تذكرت ما سبق من أن المراد من حكم العقل الذي لا يشوبه حكم الوهم ولا يكون في محط الدّرجة بسوء الاستعداد علمت أن منع ما ذكر باعتبار انه يمكن ان لا يعلم أن هذه الجهة توجب المدح والذم ساقط عن درجة الاعتبار كسقوط بحث انه يمكن ان لا يمدحه العقل ولا يذمه أصلا اما عمدا أو اتفاقا على أن هذا الأخير في غاية الانحطاط والسّقوط لان المراد الشأنية والاستحقاق بحسب الواقع هذا بعد الاغضاء عن امكان معقولية هذا الكلام وتصويره والا فالامر أوضح هذا وقد يقال إن المراد من الحسن والقبح العقلي عند الإمامية والمعتزلة مقابل الشرع اى انه ثابت له في نفسه مع قطع النظر عن وضع الشارع وجعله كما يقال الوجوب العقلي للوجوب الذاتي الذي يتحقق في نفس الامر مع قطع النظر عن خطاب الشارع وامره ولا يراد به تعلقه بادراك العقل بوجه من الوجوه هذا وهو كما ترى وان كان معه أيضا يصحّ قضية التثليث إلا أنه
بعد امعان النظر لا يغنى من اعتبار العقل وادراكه ولو على سبيل استحقاق الفعل للمدح عنده فت وكيف كان فإذا أمعنت النظر فيما ذكر عرفت ان الامامية والمعتزلة لم يقولوا بانحصار الحاكم بالعقل فالحاكم عندهم شارع وعقل ولا ظنّ ان أحدا من مخالفيهم نسب هذه النسبة إليهم
في بيان ما نسب السيد الشريف إلى المعتزلة
الا ان السيد الشريف ممن يعطى كلامه ذلك حيث قال قال المعتزلة الحاكم هو العقل والشرع هو الكاشف وليس هذا إلا مرية و - فرية إذ المعتزلة كما أنهم لم يصرحوا بذلك فكل ليس هذا مما يلزم لمقالتهم ان أريد من كاشفية الشرع كاشفية التبعية كما هو ظاهر كلامه بل صريحه بمعنى ان لا يكون مثبتا للاحكام وجاعلا إياها كان يكون نظير ذلك ما زعمه المصوبة في الاحكام بالنسبة إلى آراء المجتهدين وان أريد من ذلك الكاشفية الانطباقية والتساوقية بعد اخذ اثبات الشرع الاحكام في البين فلا غائلة فيه وان صرّحوا به والحاصل ان الجعل الإلهي الأولى متساوق الحسن والقبح للشيء بحسب الواقع ونفس الامر ولا متقدم ولا متأخر من هذه الجهة في البين وان كان الحسن الذاتي المتساوق للجعل الأولى مما له التقدم على الخطابات هذا واما ما قيل في دفع هذه الشبهة بما حاصله ان ايجابه تعالى لبعض الافعال وتحريمه لبعضها وكذلك تشريعه لبقية الاحكام من ضروريات الشريعة المصرّح به ما في الكتاب والسنة على أن أوامره تعالى ونواهيه تكون ارشادية محضة مجردة عن الطلب على الوهم المذكور ولا يكون لمصير الكل أو الجل إلى حمل اللفظ على المعنى الحقيقي عند التجرّد عن القرائن معنى معقول فمما لا يدفع الضيم بل هو مما يزيده إذ للخصم ان يقول إن هذا لازم مقالتهم فما ذكره يكون حجة للخصم لا حجة لهذا الدافع فلا بد من تعيين موضع الوهم والغلط وبيان ان هذا لا يلزم لمقالة الامامية والمعتزلة على أن قضية حمل اللفظ على المعنى الحقيقي لا تدفع هذا الوهم لان الاقتضاء الجازم معقول والطلب الحقيقي متصوّر وان فرض انحصار الحاكم في العقل وكيف كان فجاعل الاحكام هو اللّه تعالى لا غير وهو