بصحة جميع ما في الكافي من المجازفات ومع الغض عن ذلك كلّه فلعل اخباره بذلك امر باعتبار اجتهاده على أنه يظهر منه العدول بعد بناء الامر عليه وذلك بمعونة ملاحظة ذكره في الكتاب جملة مما لا يعول عليه كاخبار الجبر والتفويض وسهو النبي ص والقول بان ذكره مثل هذه الأخبار لا يدل على عدوله عما قال في أول الكتاب فلا ضير في ان يكون من مقطوع الصّدور الواردة في مقام الاتقاء أو التقية عنده كالقول بانّه إذا لم يكن بعض ما ذكر صحيحا عنده لم يكن لذكره وجه من المجازفات وتضعيف جم غفير ومنهم أساطين علماء هذه الأمة كالمفيد والشيخ لجملة من اخبار الكافي من المؤيّدات ومن هنا يظهر حال من لا يحضره الفقيه والتهذيبين وباقي الأسئلة والأجوبة في المقام يحال إلى باب حجية الاخبار والثاني ان ادعائه اجماع الأصوليين على أن أصل البراءة لا يفيد الا الظن واخذهم بذلك باعتبار عملهم به دون الاخبار الضعاف على معتقدهم غفلة واضحة إذ قد عرفت ان الأصل يفيد القطع بالنسبة إلى مرحلة الظاهر وبعبارة أخرى ان العمل به من باب التعبّد فيعملون به من هذا الوجه لهذا الوجه وان كان المظنون بالنسبة إلى ملاحظة الواقع خلاف ما افاده ومن هنا يظهر ان طعنه على الشهيد الثاني بطرحه الحسان والموثقات مطعون إذ هما ليسا من أدلة الاحكام عنده لا انهما منهما الا ان الظن الحاصل « 1 » بالأصل انما يعمل به ما لم يرد عليه دليل ودليلته أمور من الحسان والموثقات والشهرات والضعاف ونحو ذلك مما يختلف فيه باعتبار اختلاف مذاهب الأصولية في مسئلة حجية الظنّ والثالث ان نسبة الغفلة إلى الشهيد غفلة عما عليه الأصولية من إفادة الأصل القطع فما قرّره الشهيد في مخره ولا يلزم طرح الاخبار الصحاح أيضا إذا عارضت الأصل حتى يرد عليه انه مما لم يقل به الكل أو الجل ومنهم الشهيد لأنه معلّقة بعدم الدليل مما يثبت دليليته وان كان مما يفيد الظن فإذا تحقق الدليل لم يفد الأصل القطع بنفي الحكم بالنسبة إلى مرحلة الظاهر جدّا
في بيان الأخبار التي استدل بها الأخباريون على الاحتياط
فإذا تمهّد ذلك فنقول ان الاخبارية قد تمسكوا باخبار كثيرة وقد جمعها صاحب الوسائل في كتاب القضاء في باب جواز التوقف والاحتياط في القضاء والفتوى والعمل في كل مسئلة نظرية لم يعلم حكمها بنصّ منهم ع وفيه نيف وستون حديثا بل ذكر في الفهرست ان فيه سبعة وستين حديثا وفيه معارض حمل على التقية وغيرها وفيه مخصص مخرج صورة الشك في الوجوب فيبقى الشك في التحريم وفيه عدم جواز العمل بغير علم وتحريم اتباع الظن والشك وفتوى الناس إلى غير ذلك هذا ولم يذكر من الأخبار المتقدمة المعارضة لاخبار الاحتياط الا حديث كل شيء مطلق وحديث ان اللّه حد حدودا ثم ذكر في تاويلهما احتمالات ثمانية كما ستعرفها وكذا ذكر حديث الحجب واوّله فإذا انضم إلى تلك الأخبار الأخبار الواردة في ان للّه تعالى في كل واقعة حكما كما استدل به جمع من الاخبارية تبلغ اخبار الباب ثمانين بل أزيد الا انك قد عرفت انه لا دلالة للأخبار الدالة على عدم خلّوا الواقعة عن الحكم على الخطر والاحتياط فلا احتياج إلى تجشم التعرّض لها واما غير هذه الأخبار فعلى أنواع منها ما يدل على التوقف والكف فيما لا يعلم ومنها ما يدل على الاخذ بالاحتياط ومنها ما بين فيه حكم الشبهة بالامر بالوقوف عندها أو بيان ما يترتب عليها من المثلات والهلكات أو بالامر بلفظه أو تركها أو بان الشبهة من الأمور الثلاثة التي انحصرت الاحكام فيها فلنبدا بذكر هذا النوع لكون معظم أدلتهم فيه ثم نقرب الاستدلال بما فيه ونسدّده وترخى أزمة الانصاف والتجاوز عن الاعتساف باستسلام التقريب والاستدلال واستخلاصه عن الاعتراضات والمناقشات مهما أمكن اتساعا للمجال على هؤلاء الرجال واعطاء للنصفة في مقام النزال واستدراجا في المقال لاستنطاقهم بالحق وان لم يعقدوه بالبال فنقول ان من ذلك النوع ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان بن يحيى عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه ع في حديث قال انما أمور ثلاثة امر بين رشده فيتبع وامر بين غير فيجتنب وامر مشكل يرد علمه إلى اللّه وإلى رسوله ص قال رسول اللّه حلال بين وحرام بيّن وشبهات بين ذلك فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن اخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم ثم قال في آخر الحديث فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات الحديث ورواه الصّدوق باسناده عن داود بن الحصين ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن علي بن المحبوب عن محمد بن عيسى مثله وبالجملة فهو خبر مشهور حتى على طريقة العامة وقد خرج مخارج يقرب بعضها من بعض وفي مرسل الصدوق عن أمير المؤمنين ع حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك والمعاصي حمى اللّه تعالى فمن يرتفع حولها يوشك ان يدخلها وفي خبر جميل بن صالح عن الصّادق عليه السّلام عن آبائه قال قال رسول اللّه ص في كلام طويل الأمور ثلاثة امر بين لك رشده فاتبعه وامر بين لك غيّه فاجتنبه وامر اختلف فيه فرده إلى اللّه تعالى وفي خبر ابن مهزيار مثله ومن ذلك النوع خبر مسعدة بن زياد عن الصّادق عليه السّلام لا تجامعوا في النكاح على الشبهة وقفوا عند الشبهة إلى أن قال فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة الحديث وما في الذيل قد وقع مكررا في الاخبار ومنها خبر داود بن فرقد ومن ذلك خبر أبى الحسن بن أبي جارود عن الباقر ع قال لزيد بن علي ع فلا ترو من ما أنت منه في شك وشبهة الحديث وفي خبر الفضيل عن الصّادق عليه السّلام فإذا لم يتق الشبهات وقع في المحارم وعنه ع أيضا لا ورع كالوقوف عند الشبهة وأيضا أورع الناس من وقف عند الشبهة ومن ذلك ما في خطب النهج فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطاء هذه الفرق على اختلاف حجتها في دينها لا يقتفون اثر نبيّ ص ولا يقتدون بعمل وصى فيعملون في الشبهات ويسيرون في الشهوات « 2 » ومن ذلك قوله ع للأشتر أوقفهم في الشبهات وعن تحف العقول واحذروا
هامش
( 1 ) من الأصل أقوى من الظنّ الحاصل منهما ولجملة انّ العامل
( 2 ) الحديث