أيضا وذلك مثل ما في بعض خطب أمير المؤمنين ع ان اللّه قد حد حدودا فلا تعتدوها وفرض فرائض فلا تنقضوها وسكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا لها فلا تتكلفوها رحمة من اللّه تعالى فاقبلوها الحديث الّا ان الاستدلال به ليس في مخره إذ حمل سكوت اللّه تعالى فيه على السكوت عن بعض الأحكام الفرعية الكائنة على طبق المصالح والعلل النفس الامرية المساوقة للجعل الأولى ينافي ما عليه الأخبار المستفيضة بل ما عليه الاماميّة من أن اللّه تعالى بين جميع الأحكام لنبيه ص وهو بينها لأوصيائه ع حجج اللّه تعالى وذلك البيان اما على نهج العموم أو الخصوص وحمل سكوته تعالى على عدم جعله في واقعة من الوقائع حكما واخلائها عنه ينافي ما عليه الأخبار المستفيضة من عدم خلو واقعة من الحكم وينافي أيضا ما يقتضيه جملة من القواعد العقلية على طبق التحقيق وحمله على عدم بيان النبي ص والحجج باعلام اللّه تعالى إياهم بناء على بعض المصالح تجوز محض « 1 » في اللفظ مع أن ذلك لا يلائم النهى عن السؤال والفحص إذ لا أقل من اباحته بل حسنه واضح لا غبار فيه فلا بد من حمل سكوته على السّكوت عن بعض الاسرار الغامضة مما اطلع عليه حججه أم لا وهذا يلائم النهى المذكور ولو بوجه من الغاية هذا واما ما قيل في عدم جواز الاستدلال به ان عدم الوصول الينا لا يدل على سكوته تعالى الا ان يتمسّك باستصحابه فمما لا وقع له بعد ملاحظة ما قررنا هذا وعقد الباب ان دعوى إفادة الاخبار من حيث المجموع القطع مما لا يبعد جدّا لبلوغها حد التواتر المعنوي ولو أغمضنا عن ذلك وأغمضنا أيضا عن إفادة كل واحد من الاقسام المذكورة من العقليات والآيات والاخبار القطع لقلنا بحصوله من المجموع من حيث المجموع خصوصا إذا لوحظ اعتضاد ذلك بدعوى الاجماع من غير واحد وانضم اليه دعوى الاجماع من رئيس الاخباريّين والمحدثين مثل الصّدوق ره واما ما يترقى في المقام ويقال إن الأدلة المذكورة لا أقل من إفادتها الظن فيكفي في المقام وان قلنا باشتراط المسألة الأصولية بالقطع نظرا إلى كون تلك المسألة من الفرعيات فمما هو من المجازفات الصّرفة إذا عرفت هذا فاعلم أن الحاظرين احتجوا باخبار كثيرة وقبل الإشارة وإلى ما يرد على الاستدلال بها لا بد من نقل ما ذكره بعض متأخريهم ليعلم سر مصيرهم إلى الحظر وان لم يفده الا طائفة من الاخبار وتكلفهم في الاستدلال بطوائف أخر من الاخبار وتأويلهم في الأخبار المتقدمة الدالة على البراءة بالتكليفات الباردة البعيدة فاعلم أن صاحب الفوائد قال التمسّك بالبراءة الأصلية من حيث هي هي انما يجوز قبل اكمال الدين واما بعد ان أكمل وتواترت الاخبار عن الأئمة ع بان كل واقعة تحتاج إليها الأمة إلى يوم القيمة وكل واقعة تقع فيه الخصومة بين الاثنين ورد فيها خطاب قطعي من قبله تعالى حتى أرش الكف إلى أقال واكد المقال التمسّك بالبراءة الأصلية انما يتم عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيين وكذلك انما يتم عند من يقول بهما ولا يقول بالوجوب والحرمة الذاتيين وهو المستفاد من كلامهم ع وهو الحق عندي ثم على هذين المذهبين انما يتم قبل اكمال الدين لا بعده الا على مذهب من جوز من العامة خلو واقعة عن حكم وارد من اللّه تعالى لا يقال بقي أصل آخر وهو ان يكون الخطاب الذي ورد من اللّه تعالى موافقا للبراءة الأصلية لأنا نقول هذا الكلام مما لا يرضى به لبيب وذلك لان خطابه تعالى تابع للحكم والمصالح ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة قد يكون ايجابا وقد يكون تحريما وقد يكون تخييرا وقد يكون غيرها لا يعلمها الا هو ونقول هذا الكلام في قبحه نظير ان يقال الأصل في الأجسام تساوى نسبة طبائعها إلى جهة السّفل والعلو ومن المعلوم بطلان هذا المقال
في الاستدلال بحديث التثليث على الاحتياط
ثم أقول الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الأمور في ثلاثة امر بين رشده وامر بين غيّه وشبهات بين ذلك وحديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ونظائرهما اخرج كل واقعة لم يكن حكمها بينا عن البراءة الأصلية وأوجب التوقف فيها ورايت في آخر جمع الجوامع وشرحه من كتب أصول الشافعية حكاية حسنة في هذا المقام فاستمع لها ففي جمع الجوامع إذا حضر لك امر فزنه بالشرع فإن كان مأمورا فبادر فإنه من الرحمن وان كان منهيّا عنك فإياك فإنه من الشيطان وان شككت مأمور أم منهى فامسك وفي شرح الفاضل بدر الدّين الزركشي له القسم الثالث ان « 2 » تشك في كونه مأمورا أو منهيّا فالواجب لقوله ص دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وانما اقتصر المصنف على هذه الأحوال الثلاثة لأنها قطب العلم وعليها تدور رحى العمل وقد بلغني عن بعض الأئمة انه رأى في ابتداء امره في المنام انه حضر الجامع فوجد فيه متصدرا فجلس ليقرء عليه فقال كيف تقرأ على وقد علمك اللّه المسائل الثلث فانتبه واتى معبرا فقال اذهب فتصير اعلم أهل زمانك فان المسائل الثلث التي أشار إليها أمهات العلم في قوله ص الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات الحديث انتهى كلامه وانا أقول أيها الناظر اللبيب « 3 » كيف انطقهم اللّه بالحق من حيث لا يدرون انتهى كلام صاحب الفوائد وأقول قد حذا حذوه بعض علماء الاخباريّة ممّن يعاصره أو يتأخر عنه بزمان حتى في نقل قضية صاحب الجوامع وشارحه وهو حسين بن شهاب الدين العاملي في كتابه المصنوع صنع الفوائد المسمى بهداية الأبرار إلى طريقة الأئمة الأطهار وزاد هذا الفاضل واكد كلامه بقوله ثانيا واعلم أن حكم البراءة بعد ثبوت صحّة أحاديثنا قليل الجدوى لان كل ما تعم به البلوى موجود فيها وترجيح العمل بالبراءة على ما لم يروه الثقة الإمامي منها غفلة منشؤها عدم التأمل لاجماع الأصوليين على أن أصل البراءة انما يفيد الظن لا غير وهذه الأخبار التي يطرحونها إذا عارضتها لا تقصر عن إفادة الظن بمجردها فكيف إذا شهد لها مثل الكليني والصدوق مع معرفتهما بحال رواتها في جرحهم وتعديلهم فلو لم يجزموا بصدقهم فيها لما حكموا بصحتها فانظر بعقلك اىّ الظنين الحق بالاتباع
هامش
( 1 ) ذلك
( 2 ) الامساك
( 3 ) الظن