تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خزائن الأحكام — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ان تقدم على تناول ما لا نأمن ان يكون سمّا قاتلا فيؤدى إلى العطب لأنا لا نفرق بين ما هو سمّ وما هو غذاء وانما تنتظر في ذلك اعلام اللّه تعالى لنا ما هو غذاؤنا والفرق بينه وبين السموم القاتلة هذا وأنت خبير بغاية ضعفه لأنه غير ناهض لاتمام المدّعى على سبيل الشمول والعموميّة إذ هو مختصّ بمثل ذات الطعوم من الأعيان الخارجية اللهم الا ان يخصّ النزاع به وهو كما ترى أو يعم المط بعدم القائل بالفصل على أن الكلام في الخالي عن امارة المفسدة إلّا ان يقال إن ما ذكر في هذه الحجة يعم الكل وهو في محله ومع هذا فنقول ان طرق العلم بعدم المضرة في أكثر الأشياء غير منسدة بل هي مفتوحة جدّا بالتجربة ولو جهلا بالحكم العقلي أو خطا فيه مرة بعد مرة من غير واحد من ذوى العقول بل ممن يمنع العقل تواطؤهم على الكذب واستدل أيضا بان الحكم بالإباحة انما يصح لو علمنا أنه مما لا مفسدة فيه للعبد وضعفه أبين وقد مر في تضاعيف ما قدمنا ما يرده من وجوه واستدل أيضا بأنه لا شك ان هذا الفعل يحتمل ان يكون مشتملا على مفسدة أو ضرر وارتكاب ما يحملهما قبيح وحرام ويظهر الجواب عنه مما فيه من الاحتمالات العديدة مما تقدّم وقد يجاب أيضا بمنع قبح ارتكاب ما يحتمل الضرر ولو سلم فلا نم قبحه بحيث يصل حد الحرمة ولو سلم فإنما هو إذا لم يكن له نفع منجز مقطوع به سيّما إذا احتمل منافع أخرى وسيّما إذا اجتمعت العقول على عدم ادراك جهة قبحه هذا وهو لا يخلو عن شيء فت

في بيان أدلة القائلين بالتوقف

حجة الواقف تعارض أدلة الطرفين وبطلانها وعدم الظفر بدليل آخر والجواب عنه واضح واعلم أنه قد علم فيما سبق المعنى المراد بالوقف وعلم الاحتمالات المتصورة والأقوال المنتسبة إلى المعتزلة وغيرهم فيه لكن بقي في المقام ما لا بد من الإشارة اليه وهو ان الشيخ بعد اختياره في العدة انتسابه إلى شيخه المفيد أيضا ذكر دليلا على مختاره وهو ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما يعلم قبحه واسهب الكلام نقضا وابراما « 1 » ثم زعم تمامية وخلوصه عن كونه مخرا للايرادات والمناقشات وهذا في الحقيقة هو الحكم بالخطر في مرحلة الظاهر فيكشف عن أن وقفه انما كان بالنسبة إلى الحكم الواقعي المعلل عن الحسن والقبح الواقعيّين فيكون هذا شاهد بكون ما يقابله من القولين الآخرين في الحكم الواقعي لان الأقوال في مسئلة واحدة انما تجتمع على موضوع ومحل واحد وهذا كما ترى ينافي ما بنينا الامر عليه من أن النزاع في الحكم الظاهري ويوافق ما عليه المحقق الثالث من كونه في الحكم الواقعي بل هذا مما يستفاد من كلام الشيخ في مواضع عديدة ومع هذا كله فالحق هو ما أشرنا اليه من أن النزاع انما هو في الحكم الظاهري غاية ما في الباب كلام الشيخ لا يساعدنا ولا ضير فيه بعد اتضاح الحال مع أنه يمكن ان يرجع كلام الشيخ إلى ما لا ينافي ما حققنا وقد صرّح بعض الأفاضل بان كلام الشيخ في العدّة صريح بكون المراد بالإباحة والخطر عند القائلين بهما ما هو في مرحلة الظاهر الا ان هذا عجيب ثم إن بعض المعاصرين قد ذكر في المقام امرا غريبا حيث زعم بطلان أدلة المبيح والحاظر واختار لأجل ذلك القول بالوقف قائلا ولكن لا يقول بوجوب الاجتناب لأجل ان الاقدام على ما لا يأمن المكلف كونه قبيحا مثل اقدامه على ما لم يعلم قبحه كما قاله المتوقفون لمنع ذلك بل نقول بحكم العقل بأولوية الاجتناب كما يظهر من مثال الدود والنبات والمراد بالتوقف كما أشير اليه التوقف في ان الفعل الذي لا يدرك العقل جهة حسنه أو قبحه وله منفعة حال كونه متصفا بهذا الوصف هل حسن في الواقع أو لا وان لم يعلم حاله من الحسن والقبح وعدمها بخصوصه أو مع قطع النظر عن ذلك الوصف فالمراد بالحكم الثابت أو المتوقف هو الحكم الواقعي العقلي ولكن للفعل المتصف بالوصف المذكور من حيث إنه متّصف به نظير ما لا نص فيه في الشرع هذا وأنت خبير بما فيه إذ ليس هذا من التوقف في شيء بل هو في الحقيقة قول بالإباحة ولعل القائلين بالإباحة لا يضايقون عن القول بحسن الاحتياط حسنا ندبيّا وكراهة الارتكاب كراهة تنزيهية عند العقل فالمراد بالإباحة المعنى الشامل للكراهة ويكشف عن ذلك ان حسن الاخذ بالأوثق والأخرم عند اختلاف الأقوال في المسألة اى حسنا ندبيا وتطوعيا مما لا شك ولا خلاف فيه والعجب منه حيث أبطل الأدلة وأثبت ذلك فإذا زعم بطلان أدلة الإباحة فاىّ شيء يبقى لاثبات مثل هذا النوع من الإباحة حتى يستند اليه ومع هذا فلو تم تنظيره بالدود والنبات لكان ذلك مما يدل على لزوم الاجتناب لا على أولويته ثم نسبة الإباحة الواقعية إلى المبيح والخطر الواقعي إلى الحاظر مما بين ضعفه وفساده فت حجة من قال إنه لا حكم فيما لا يقضى العقل فيه بحسن ولا قبح ان المفروض ان الشرع لم يرد فيه وانه مما لا يقضى العقل فيه فالحكم بالإباحة أو الحظر يستلزم القول بالتناقض هذا وأنت خبير بان نفى الحكم من أصله بمعنى ان لا يكون حكم أصلا لا عند العقل ولا عند الشارع ينافي ما عليه الأشاعرة من اثبات الكلام النفسي وقدم الاحكام اللهم الا ان يرجع النفي إلى التعلق الحادث على زعمهم في ذلك وهذا كما ترى من البعد فان الظاهر من كلامهم رجوع النفي إلى نفس الحكم وليس التعلق نفس الحكم ثم إن كلامهم لا حكم للعقل في الأشياء التي فيها منفعة مما لا يستقل به العقل وان كان لا ينافي على وجه مماشاتهم وتنزلهم مع العدلية الا ان بعض كلماتهم في مقام الاستدلال ينافي المماشاة والتنزل وكيف كان فبطلان ما ذكروه غنى البيان لان النفي في مرحلة الواقع لا يلازم النفي في مرحلة الظاهر فلا تناقض ولا تدافع في البين على أن قولهم لا حكم نوع من الحكم وقد التفت اليه الرازي بل قد صرح انه مما طعنوا به عند الفريقين من المبيحين والحاظرين حيث قال احتج الفريقان على افساد قولنا انه لا حكم بوجهين الأول ان قولكم لا حكم هذا حكم بعدم الحكم والجمع بين اثبات الحكم وعدمه متناقض والثاني ان هذه التصرفات اما أن تكون ممنوعة عنها فتكون
هامش
( 1 ) في ذلك
خزائن الأحكام — صفحة 147 | آقا بن عابد الدربندي