ذلك استحقاق الفاعل جزاء المحسنين أو القبيحين بالنسبة إلى فعل واحد ولم يقل به أحد قلت إن الحسن والقبح ليسا مما يكونا من قبيل ما يعبر باعتبار معتبر ووضع واضع فإنهما من قبيل لوازم المهيات فلا يتعلق الجعل بها ولا بلوازمها فإذا حدث الجعل والتأثير من الفاعل وحصل الفعل بما معه من الوجوه والاعتبارات أو الصّفات اللازمة فلا ضير في أن تكون على حسن الامرين أو قبحهما إلّا انه لما كان الملحوظ أو لا وبالذات هو الفعل لتعلق الجعل والتأثير به أو لكونه أقرب كان هو المتصف بهما أو لا واتصاف العوارض انما هو بالعرض والاستتباع ومن هنا يعلم الجواب عن حديث جزاء الحسنين أو القبيحين هذا واما تحقق الاستناد إلى الوجوه والاعتبارات فلانه يعلم كل أحد ان الكذب مثلا لو لم يترتب مصلحة عليه بل ترتّب عليه مفسدة فهو قبيح ويذم عليه العقلاء ولو كان بحيث لو لم يقع لترتب عليه جمة من المفاسد مثل قتل جمع وسبى طائفة وهتك عرض ونحو ذلك ولم يكن فيه مفسدة فهو حسن والصدق بالعكس واحتمال ان الكذب قبيح حتى في الصورة المفروضة غاية الأمر قد غلب عليه حسن حفظ النفوس المحترمة عن القتل والسّبى فسقط حكمه من النهى عنه وكونه محرّما مما لا وقع له فان الكذب يتّصف في الفرض المذكور بالحسن جدّا وهو لا يلائم بما ذكر قطعا فان قلت فعلى ما ذكرت يلزم ان يتصف الكذب الخالي عن وصفى النفع والضّرر بالقبح اتصافا مستندا إلى اقتضاء الوجوه والاعتبارات وعليتها فكيف هذا مع فرض الخلو عنهما قلت إن الكذب المفروض قبحه مستند إلى ذاته فلا غرو فيه لأنه حقيقة مغايرة لحقيقة الكذب المشتمل على أحدهما فلا عويصة ولا اشكال هذا واما تحقق الاستناد إلى الصّفات اللازمة فهو أيضا ظاهر إذ من الصّفات اللازمة لبعض الافعال ما لا يشك في كونها حسنة أو قبيحة باعتبار أنفسها مع قطع النّظر عن موصوفاتها وعن الأمور المفارقة إذا عرفت هذا فاعلم أنه يدل على بطلان اختصاص الاستناد إلى الذوات والصّفات اللازمة وقوع النسخ في الشّرائع المتفق عليه بين المسلمين بل بين أهل الملل ما عدا الاصفهاني من المسلمين واليهودي من أهل الملل فالتقريب بان ما بالذات أو الصّفات اللازمة يدوم ولا يزول والاحكام تابعة للحسن والقبح ففيما وقع فيه النسخ يكشف عن كون الحسن أو القبح فيه مستندا إلى الوجوه والاعتبارات فان قلت إن هذا انما يدل على المط لو كان جميع الأحكام الشرعيّة ممّا يتبع الحسن والقبح وهو غير معلوم بل المعلوم انها مسببات لأمور واقعية ومنبعثات عن العلل النفس الامرية سواء كانت هي الحسن والقبح أو غيرهما قلت قد عرفت ان جميع الأحكام تابعة للحسن والقبح وهما العلتان لا غيرهما على أنهما لا أقل من كونهما من لوازم العلل فالنقض على القول بالذاتية بالنسخ متجه وان لم نقل بانحصار تبعيتها لهما مع انّ هذا يتمشى حتى على البناء على كون العلل للاحكام غير الحسن والقبح كما لا يخفى وان هذا السؤال قد يخرج الكلام عن محل النزاع فان قلت يمكن ان يكون ذات الفعل من حيث هي هي مقتضية للحسن أو مع انضمام جهة إليها وجهة فيها مقتضية للقبح فيتكافأ الحسن والقبح أو يغلب أحدهما على الآخر قلت هذا خروج عن المقام والقول بالذاتية أو الصفاتية فان قلت يدفع العويصة باخذ الجهات تقييديّة قلت قد مرّ الجواب عنه تفصيلا وحاصله ان النزاع ح يرجع إلى اللفظي وبعد الاغضاء والاغماض عن ذلك والبناء على أنه يمكن التفرقة ح بين القول بالذاتية أو الصّفاتية وبين القول بالوجوه والاعتبارات فيخلوا المسألة عن الثمرة كما لا يخفى على أن اختلاف طبيعة الفعل باختلاف كل من القيود كلام تخمينى بل التحقيق على خلافه فان قلت انّ للفعل بدون العارض حقيقة ومعه حقيقة أخرى فيكون في البين ماهيّتان مغايرتان فلا يرد النقض بشيء قلت هذا السؤال مما وقع فيه التكرار وقد علمت الجواب فان قلت إن النسخ انما يتصوّر باختلاف الأزمان فكما يمكن ان يقال يختلف المصالح بحسب الأزمان ويتغير الحكم بحسبه كل يمكن ان يتصور الفعل المنسوخ طبيعة كلية قابلة للتحصّلات المختلفة بحسب اختلاف العلل والأسباب والقوابل والشروط فلعلّ اختلاف الأسباب قد أدى إلى أن يتحصّل الفعل بفصل غير ما يتحصّل به في الزمان السّابق غاية الأمر
انه ربّما كان المعيار الشرعي في نظر المكلف امرا خارجا عن حقيقة الفعل ولا بعد فيه إذ الشارع ربما أناط التمييز بين الافعال بأمور خارجة يستبعد عند العقل تأثيرها بحسب الخارج في ذات الشيء مثلا المذبوح الذي لا يسمّى عليه ميتة والذي سمّى عليه مذكى ويستبعد عند الوهم ان يكون للتسمية اللفظية ولو مجرّدة عن توجّه النفس اليه تعالى مدخل في كيفية اللحم وخاصيّته سيما على ما يشترط بعضهم من خصوص لفظ الجلالة وادخال الباء الجارة واقحام لفظ الاسم وقد ورد في النص ان علة حرمة الميتة افساد مزاج الانسان واضراره والحاصل ان صلاة اليهود كانت قبل النسخ مندرجة في طبيعة الصّلاة بل كانت منحصرة فيها وبعد حصول النسخ خرجت عن تلك الطبيعة والنسخ كاشف عن ذلك قلت انّ هذا السؤال مما لا وقع له جدّا لا لما يتوهّم ان النسخ الذي هو عبارة عن إزالة الحكم الثابت بدليل متأخر لو لاه لثبت لا يتصور لا يتحقق بناء على تعلق كلّ من الحكمين بغير ما تعلق به الآخر فمع الاختلاف بين المتعلقين لا يعقل صدق النسخ لان اتحاد أصل الفعل وكونه في الظاهر ومع قطع النظر عن اختلاف الزمان كاف في صدق النسخ وتحققه وان كان النسخ كاشفا عن تعدد الفعلين بل لان القول باتحاد الحقيقة مع تعدّد الماهيّة والذات جزاف من القول فلا يتصور ذلك جدا واخذ الوجوه والاعتبارات داخل في المأمور به والمنهى عنه حتى يصيرا حقيقتين
خزائن الأحكام — صفحة 124
مساهمون: آقا بن عابد الدربندي
ص١٢٤