إذ هذا مشترك الورود والالزام فلعمل الخاصّ الذي لم يصل حكمه قد كان قبيحا في الواقع على أن الخطاب في الخبر لمن وصل اليه الاحكام مما ادركه عقله وغيره الا قليل مما لم يدركه عقله فليس الترخيص في مثل ذلك قبيحا نعم لا يحسن التحريص والحث على فعل مثل ذلك نظرا إلى أن القبائح الواقعية مما يورث القساوة بالخاصيّة فكما لا يكون المعنى ما ذكر قرينة الحمل على البعيد كل لا يصير قوله ع في حديث آخر ومن ارتكب الشبهات هلك من حيث لا يعلم قرينة لذلك بتقريب ان كل ما هو من النوع المنهىّ عنه فقد ورد عنه اما بخصوص أو بعموم هذا الحديث من حيث اندراجه تحت الشبهة فالحمل على المعنى الثالث متعين لئلا يكون بلا معنى معقول ومصداق متحقق لان هذا مبنىّ على كون المراد من الحديث انشاء الحكم لطلب الكف عن فعل الشبهة طلبا تحريميّا وليس كل بل هذا مما لا يتعقل منه أصلا فان ارتكاب الشبهة اما ان يكون ممن وصل اليه هذا الحديث أو من غيره والأول لا يساعده قوله ع هلك من حيث لا يعلم إذ هذا يكون ح هلاكا من حيث يعلم لا من حيث لا يعلم والثاني لا يكون مكلفا بما فيه لعدم وصوله اليه فليس المراد منه الا الاخبار عن أن ارتكاب الشبهات موجبة لحصول ملكة رذيلة باعثة على أن لا يبالي بفعل المنهيات الصّريحة نظرا إلى أن فعل المحرمات الواقعية له تأثير في الواقع وان لم يشعر بها وسرّ العدول من ربما يؤدى إلى الهلاك ونحوه إلى هلك هو الإشارة إلى كثرة وجود النوع المحرم في قسم الشبهة فقد بان الحديث لا يصير قرينة حمل الخبر على المعنى البعيد إذ لا يصار اليه الا لتحقيق المصداق له وتحصيله فإذا حمل الحديث على المعنى الثاني فلا داعى للحمل على البعيد المرجوح هذا والجواب عنه ان المتبادر من الشيء ما لم يستقل في ادراكه العقل وهذا من قبيل الاختصاص لا التخصيص وحديث التثليث وان لم يكن من القرائن لحمل ذلك الخبر على المعنى الثالث البعيد إلّا انه من قرائن الحمل على ما قلنا كفهم العرف في أمثاله فهذا التقرير أحسن من التعميم في النهى ثمّ العجب من المستدل حيث صدر كلامه يعجز العقول عن ادراك العلل المقتضية للاحكام على سبيل الارسال والاطلاق مع أنه ممن اذعن بثبوت الادراك في الجملة بل بحاكمية العقل بالملازمة إلّا انه كان يقول بان الحكم مما يتوقف على توسيط الخطاب الشرعي والحاصل ان المستدل وان بالغ في توجيه الخبر وأصاب من حيث اثبات البراءة به برفع الاحتمال الثالث البعيد عن البين إلّا انه قد اعتزل عن الصواب بعدم الالتفات إلى ما أشرنا اليه هذا واما الاعتراض عليه بان المعنى الأول أيضا انشاء للحكم إذ هذا وظيفة المعصوم ع لا بيان الاطلاق والاصطلاح فيرجع إلى المعنى الثاني فلا وجه لذكره وعده قسيما له الا ان يحمل الأول على اثبات الإباحة الطاهريّة والثاني على الواقعية لكن هذا يدفعه التقييد بالغاية إذ الواقعية لا تقيّد بغاية والقول بان المراد ان المكلف لا بد ان يبنى على هذا حتى يظهر خلافه مما لا يدفع الضيم لان هذا يرجع إلى بيان الحكم الظاهري فمما لا وقع له بعد امعان النظر في كلام المستدل إذ غرضه حصر المعاني المتصورة في الثلث ورفع الثالث بما مر لا اثبات المغايرة بين المعنيين هذا وقد يعترض على قول المعترض انه لا يصحّ جعل الإباحة الواقعية مغيّاة بغاية بان هذا ظاهر الفساد إذ كثير من الأحكام الواقعية مغيا بغاية فيجاب عن احتمال إرادة الإباحة الواقعية بأنه لا يعقل من الحكم الواقعي الا ما استند عدم تعلقه بالمكلف إلى عدم علمه به ولا من الحكم الظاهري الا ما استند تعلقه به إلى علمه به أو بعدم علمه بالحكم الواقعي فإذا كانت الإباحة منوطة بعدم العلم بخلافها كما هو نصّ الرواية كانت حكما ظاهريا وكان خلافها حكما واقعيّا لا محالة ولا يرد النقض بالصلاة في الثوب المستصحب الطهارة لان المراد عدم العلم من حيث الحكم لا من حيث الموضوع هذا وفيه ان هذا الاعتراض في غاية السخافة إذ لم يرد المورد على الاستدلال ان الأحكام الواقعية مما لا يصح جعله مغيا بغاية أصلا بل أراد نفيه في مثل هذا التركيب نظرا إلى تعليق الاطلاق وتقييده بالعلم بورود النهى وبالجملة فهذا الانتساب عجيب وأعجب منه ما ذكره في معقولية الحكم الواقعي وتحديده بأمر عدمي
محض مع انّه لا يأبى عن صدقه على الحكم الظاهري كما لا يأبى ما اخذ في تحديد الظاهري عن الصدق على الحكم الواقعي وأعجب من الكل ما أورد على ما ذكره في تحديد الحكم الظاهري من قضية النقض والجواب عنه بما ذكر أعجب منه لأن عدم العلم من حيث الموضوع يرجع اليه من حيث الحكم وبالجملة فغرابة ما ذكره مما لا يخفى على كل ذي مسكة فلا يؤاخذ بمثله المستدل والتحقيق في تمييز الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي والمعيار فيه هو ان يقال إن الحكم الواقعي ما كان على طبق المصالح النفس الامرية من غير أن يكون للعلم والجهل فيه مدخلية فمن هنا يعلم تعريف الحكم الظاهري أيضا ولا غائلة أيضا في تعريف الواقعي بما يكون الدليل الدال عليه غير متعلق على ما فيه قضية علم المكلف وعدمه إذ هذا أيضا يرجع إلى ما ذكرنا ويعلم منه تعريف الظاهري فهما بحسب التعلق بالمكلف من حيث الاشتراط بالعلم سواء فتمييزها بما ذكرنا ثم لا يخفى عليك ان كلا منهما يكون بملاحظة الدّليل الدال عليه على قسمين فالكل أربعة الواقعي الواقعي والواقعي الظاهري والظاهري الواقعي والظاهري الظاهري فهذا بحسب قطعية الدليل وظنيته فما ذكره بعض الأفاضل في بيان بعض ما يتعلّق بتعريف علم الأصول من أن المراد من الاحكام في التعريف هو الاحكام الظاهريّة ليس المقصود منه انها من قبيل الإباحة الظاهريّة التي كلامنا فيها الآن بل المقصود منه انها من الواقعيات الظاهرية فخذ الكلام بمجامعه ولا تغفل ثم إن من أدلة المنكرين ما أشار اليه بعضهم قائلا ويدلّ عليه ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر عن حمزة الطيار عن الصّادق عليه السّلام قال قال لي اكتب فاملى على انّ من قولنا ان اللّه يحتج على العباد بما اتاهم وعرفهم ثم ارسل
خزائن الأحكام — صفحة 109
مساهمون: آقا بن عابد الدربندي
ص١٠٩