العزم ، موطنها النفس ، وهي - كما عن بعض - مجرّدة من وجه ، وموطن القوّة العاملة هي العضلات ، فإذا كان بين الموطنين تباين فكيف يؤثّر ما يكون في موطنٍ فيما يكون في موطن آخر مع ما فيهما من التباين ؟ !
وسرّ هذا التأثير والتأثّر هو : « أنّ النفس في وحدتها كلّ القوى » ، فهي مع أنّ لها وحدة شخصية خارجية ، ذات عرض عريض وله تطوّرات مختلفة في العوالم المختلفة ؛ فتطوّرٌ في عالم التجرّد وإدراك الكلّيات ، وتطوّر في عالم الخيال البرزخ بين التجرّد والمادّة ، وتطوّر في عالم المادّة ، مع ما لتلك العوالم من المراتب .
ولذا ربّما ترى شيئاً بعينه ثمّ إذا شَمَمته تحكم بأنّه هو الذي رأيته ، مثلًا إذا رأيت لون تفّاحة ثمّ شممتها تحكم بأنّ التفّاحة التي لونها كذا رائحتها كذا ، مع أنّ الذي يدرك اللون غير الذي يدرك الرائحة ، وهكذا . ولا بدّ لحضور المقضيّ والمقضيّ عليه عند الحاكم .
وقد يدرك الشيء في عالم العقل ويتطبّقه على مصداق ، ويقال : إنّ الإنسان المجرّد هذا مصداقه ، فإذا كان بينهما تباين فمحال أن يحكم المجرّد على المادّي أو بالعكس .
وبالجملة : لا بدّ للتصديق في كلّ قضية من حضور كلّ من الموضوع والمحمول عند المصدِّق ؛ فالتصديق بأنّ الذي رآه هو الذي سمعه ، أو الذي تخيّل هو الذي تعقّله ، وهكذا ، لا بدّ من حضورهما لدى المصدّق بالوحدة ، فيستفاد : أنّ المدرك حقيقة واحدة يختلف مراتبه ؛ ف « النفس في وحدتها كلّ القوى » « 1 » .
هامش
( 1 ) - قلت : لا يخفى أنّ ما ذكره هو إثبات وحدة النفس مع قواها من ناحية الإدراك ، ويمكن إثبات الوحدة من غير ناحية الإدراك أيضاً حسبما قرّر في محلّه . [ المقرّر حفظه اللَّه ]