وكيف كان : لا يكون الصوم مشروطاً بأوّل طلوع الفجر ؛ لأنّه لم يرد : « إذا طلع الفجر فصم » ، بل قال تعالى :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ »
« 1 » . فالصوم سنخ واجب يكون مبدؤه طلوع الفجر ، فلو كان الصوم مشروطاً بأوّل طلوع الفجر فيلزم أن يكون الصوم والإمساك بعد طلوع الفجر - ولو زماناً ما - لا من أوّل حقيقي طلوع الفجر « 2 »
. ثمّ إنّ هدم أساس ما بنى عليه قدس سره يتوقّف على الإشارة الإجمالية إلى موضوع البحث ، فإنّه في كلّ باب من تحرير موضوع البحث أوّلًا ، ثمّ التكلّم فيه نفياً أو إثباتاً .
فنقول : موضوع البحث في مسألة الترتّب هو الواجبان المضيّقان اللذان يكون أحدهما مهمّاً والآخر أهمّ وكان عصيان الأهمّ شرطاً للتكليف بالمهمّ ، فإن كان الوقت المضروب للإتيان بالأهمّ - مثلًا - من زوال الظهر إلى ساعة ، وكان العمل ينطبق على هذا المقدار من الزمان ، من دون زيادة ونقيصة ، كان الوقت المضروب للمهمّ أيضاً بذلك المقدار ، من دون زيادة ونقيصة ، وواضح : أنّ العصيان عبارة عن ترك المأمور به في الحدّ المضروب له بلا عذر ، وعصيان الشيء إنّما هو بانقضاء مقدار لا يمكن استيفاء تمام العمل فيه ، ولا يلزم أن يكون بانقضاء تمام الوقت المضروب له ، فأوّل الزوال - مثلًا - ظرف تحقّق الأهمّ ، ويكون التكليف به فعلياً ، فإن مضى مقدار من الوقت - افرض دقائق بعد الزوال - فعصى ولم يأت بوظيفته بلا عذر فيسقط التكليف
هامش
( 1 ) - البقرة ( 2 ) : 187 .
( 2 ) - قلت : لعلّ هذا غير متوجّه على مقال المحقّق النائيني قدس سره ؛ لأنّه ينادي جهاراً بأنّ زمان الشرط يتّحد مع زمان التكليف والامتثال ، من دون أن يكون تخلّف في البين ، فيلتزم بوجوب الصوم من أوّل حقيقي طلوع الفجر ، فلاحظ . [ المقرّر حفظه اللَّه ]