فإذا خافوا يرشدهم عقلهم إلى تحصيل المؤمّن من العقاب ، وليس المؤمّن عنده إلّا العلم بشرائطه وأحكامه مقدّمةً للعمل بها .
والحاصل : أنّ النفر له غايتان : التفقّه في الدين ، وإنذار القوم وموعظتهم ؛ فللفقيه وظيفتان : فَهْم أحكامه وإنذار قومه بما أنذر اللَّه به . ولا دليل على كون ما أنذر من جنس ما تفقّه فيه .
ولعلّ إلزام الفقيه على إنذار قومه لأجل كون الفقيه أعرف بحدود ما ينذر به وشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . أضف إليه : أنّ لكلامه تأثيراً في القوم ؛ لعلوّ كعبه وعظم مقامه لديهم .
كما أنّ تخصيص التفقّه في الدين بالفروع تخصيص بلا جهة ؛ لأنّ الدين يطلق على أصوله وفروعه كما في قوله تعالى :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
« 1 » ، ويظهر أيضاً من الروايات عموميته ، كما سيوافيك « 2 » . وعليه فلا يمكن القول بوجوب قبول قوله تعبّداً ؛ لعدم حجّية قوله في الأصول ، إلّا أن يقال : إنّ الإطلاق مقيّد بإفادة العلم في الأصول بحكم العقل والأدلّة .
نعم ، ظاهر الآية يعطي ثبوت الأمر الخامس ؛ وهو كون المنذر كلّ واحد من النافرين ، إلّا أنّه يدلّ على أنّ لكلّ واحد منهم إنذار القوم جميعاً لا بعض القوم ، كما هو مبنى الاستدلال .
فحينئذٍ : يسقط الآية عن الدلالة ؛ لأنّه ربّما يحصل العلم بإنذار المنذرين جميع القوم ، ولا يدلّ على وجوب القبول من كلّ واحد تعبّداً ؛ وإن لم ينضمّ إليه الآخرون .
هامش
( 1 ) - آل عمران ( 3 ) : 19 .
( 2 ) - يأتي في الصفحة 634 - 639 .