رووا حديثهم ، وعرفوا حلالهم وحرامهم ، غير أنّ المحدّثين لقرب عهدهم وتمكّنهم من الأئمّة كان تحصيل العلم بحلالهم وحرامهم عليهم سهلًا غير عسير ، إلّا أنّ علم فقهاء الأعصار ووقوفهم على أحكامهم يحتاج إلى طيّ مقدّمات وتحصيل مبادٍ يحتاج إلى بذل الجهد واستفراغ الوسع الذي تحصل بهما قوّة الاستنباط والاجتهاد .
فلو قال أحد بشرطية الاجتهاد في جواز القضاء في هذه الأعصار فلا يقصد منه دخالته في الموضوع وتقوّم الموضوع به ؛ ضرورة أنّ الموضوع في المقبولة غيره ، بل المقصود منه دخالته في حصول قيود الموضوع ؛ أعني ما ساقتها المقبولة من القيود والحدود على ما عرفت .
وأمّا المقلِّد : فقد عرفت بما لا مزيد عليه أنّه خارج عن الموضوع من رأس ، وأنّه ليس ممّن عرف حلالهم وأحكامهم على ما مرّ « 1 » .
أضف إلى ذلك : ما سيوافيك بيانه « 2 » من وجود الاجتهاد بالمعنى المعروف في أعصارهم بين العامّة والخاصّة : أمّا الخاصّة فسيمرّ عليك بيان ما يدلّ على وجوده فيهم .
وأمّا العامّة : فإنّهم كانوا أصحاب رأي وقياس ، وكان المنصوبون من الخلفاء لأمر القضاء ، من الفقهاء وذوي الاستنباط والاجتهاد ، كأبي حنيفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى وأضرابهم .
هذا كلّه في استقلال العامّي للقضاء ، وقد عرفت أنّه لا حظّ للعامّي فيه .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 582 .
( 2 ) - يأتي في الصفحة 612 - 620 .