فإنّ الأمور الاعتبارية أنزل من ذلك كلّه .
إذا عرفت ذلك : تقف على بطلان القول بأنّ الأحكام الخمسة أمور متضادّة ، كما اشتهر عنهم في باب الترتّب واجتماع الأمر والنهي والجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية وغيرها .
وأظنّ أنّك بعد الوقوف على ما ذكرنا تقف على أنّ بطلان الضدّية فيها ليس لأجل انتفاء شرط الضدّية أو قيدها فيها ، بل البطلان لأجل أنّ التضادّ والتماثل والتخالف من مراتب الحقيقة - أي الماهية الموجودة في المادّة الخارجية - فالأحكام لا حظّ لها من الوجود الخارجي حتّى يتحمّل أحكامه . وقس عليه سائر القيود ؛ فإنّها أيضاً منتفية ، كما ذكرنا .
وأمّا امتناع الأمر والنهي بشيء واحد بجهة واحدة من شخص واحد فليس لأجل تضادّ الأحكام ، بل لأجل مبادئهما ، كالمصالح والمفاسد والإرادة والكراهة ، وهما لا تجتمعان .
على أنّ الأمر بالشيء جدّاً والنهي عنه كذلك من آمر عالم ممتنع ؛ لأنّه يرجع إلى التكليف بالمحال ، ومرجعه إلى التكليف المحال ، كما مرّ وجهه في مبحث الاجتماع والامتناع . وليعذرني إخواني من الإطالة ، وهو أولى من الإحالة .
المحذور الثالث : محذور اجتماع الإرادة الوجوبية والتحريمية
حاصل الإشكال : أنّ الإرادة القطعية قد تعلّقت بالعمل على الأحكام الواقعية ، والمفروض أنّ الأمارات قد تؤدّي إلى خلاف الواقع ، فإيجاب التعبّد بها والترخيص بالعمل بها مع فعلية الإرادة المتعلّقة بالأحكام الواقعية ممّا لا يجتمعان .