وما ربّما يقال : من أنّ الإنشاء قولٌ قُصد به ثبوت المعنى في نفس الأمر « 1 » ، يراد به أنّ نفس الإنشاء يكون منشأ للمعنى في وعاء الاعتبار ؛ بحيث يكون الألفاظ التي بها يقع الإنشاء - كهيئتي الأمر والنهي - مصاديق ذاتية للّفظ وعرضية للمعنى المنشأ ، لا أنّهما علل المعاني المنشأة ؛ فإنّ العلّية والمعلولية الحقيقيتين لا يعقل بينهما .
وإن شئت قلت : إنّ التكلّم بصيغة الأمر بما هو تكلّم وصوت معتمد على مقطع الفم أمر تكويني من مراتب التكوين ، وأمّا جعل هذا التكلّم دليلًا على إرادة البعث والتحريك بلا آلة تكوينية فإنّما هو بالجعل والمواضعة التي هي الموجب الوحيد لانفهام الأمر المنشأ البعث ، فإذا كان المبدأ أمراً اعتبارياً فالآخر مثله .
وعلى هذا الأساس فالأحكام التكليفية كلّها من الأمور الاعتبارية لا وجود حقيقي لها إلّا في وعاء الاعتبار .
ومن ذلك يعلم : أنّ الإضافات المتصوّرة عند الأمر بالشيء ليست إلّا إضافات اعتبارية ، فإنّ للأمر إضافة إلى الآمر إضافة صدور ، وإضافة إلى المأمور إضافة انبعاث ، وإضافة إلى المتعلّق إضافة تعليقية أوّلية ، وإلى الموضوع إضافة تعليقية ثانوية ، وهكذا . فهذه الإضافات ليست من مراتب التكوين ، وإنّما هي أمور اعتبارية يستتبع بعضها بعضاً .
وبذلك يظهر : أنّ الأحكام التكليفية ليست أعراضاً بالنسبة إلى متعلّقاتها ، فليس قيام المعاني الاعتبارية - الأحكام - بمتعلّقاتها أو موضوعاتها قيام حلول وعروض فيهما ، بل كلّ ذلك تشبيهات وتنزيلات للمعقولات على المحسوسات ؛
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 87 - 88 ، فوائد الأصول ، المحقّق الخراساني : 17 .