وأمّا توضيح الجواب وحسم الإشكال فهو ما مرّ منّا « 1 » : أنّ مفاسد إيجاب الاحتياط - كلًّا أو تبعيضاً - صارت موجبة لرفع اليد في مقام الفعلية عن الأحكام الواقعية في حقّ من قامت الأمارة أو الأصول على خلافها .
وليس هذا أمراً غريباً منه ، بل هذا نظام كلّ مقنّن ؛ إذ في التحفّظ التامّ على الواقعيات من الأحكام مفسدة عظيمة لا تجبر بشيء ، أيسرها خروج الناس من الدين ورغبتهم عنه وتبدّد نظام معاشهم ومعادهم . فلأجل هذا كلّه رفع اليد عن إجراء الأحكام في الموارد التي قام الأمارة أو الأصل على خلافها .
وليس هذا من قبيل قصور مقتضيات الأحكام وملاكاتها في موارد قيام الأمارات والأصول على خلافها حتّى يتقيّد الأحكام الواقعية بعدم القيام ، بل من قبيل رفع اليد لجهة اللابدّية ومزاحمة الفاسد والأفسد في مقام الإجراء . فالأحكام الواقعية تنشأ على موضوعاتها من غير تقييد .
وتوهّم لغوية تلك الأحكام الإنشائية إذا فرض قيام الأمارة أو الأصل على خلافها من أوّل زمن تشريعها مندفعة بأنّه لا محالة ينكشف الخطأ - ولو عند ظهور الدولة الحقّة - ولو كانت عاطلة غير منشأة من رأس صارت مهملة إلى الأبد ؛ حتّى بعد قيام القائم عليه السلام ؛ لانسداد الوحي وتشريع الأحكام بعد ما رفع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وبذلك يندفع الإشكال كلّه .
فإن قلت : إنّه ليس في الواقع أحكام إنشائية ، بل الموجود في نفس الأمر هو إنشاء الأحكام ؛ أي تشريعها على موضوعاتها المقدّر وجودها بجميع ما
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 371 .