والشعور معلّلة بأغراض وغايات ؛ حتّى فيما يراه العرف عبثاً ولغواً « 1 » ، كيف ، والعلّة الغائية واقعة في سلسلة العلل ، وتعدّ علّة لفاعلية الفاعل ، وإن كانت تتأخّر بوجودها العيني لكنّها مؤثّرة في تحريك الفاعل بوجودها الذهني .
وحينئذٍ : فالمعلول بما أنّه رشحة من رشحات العلّة أو مظهر ناقص لها ، ولا استقلال له إلّا ممّا اكتسبه من جانب علّته فهو لا محالة يتضيّق بضيقها ، ولا يمكن له أن يكون أوسع منها ، لكن لا على نحو التقييد ، بل تضيّقاً ذاتياً تابعاً لاستعداده .
فإذن : يقع الكلام في أنّ الغاية لفعل الواضع - التي هي إظهار المرادات وإعلان المقاصد - هل توجب تضيّقاً في المعنى الموضوع له ؛ ليكون الوضع للمعنى المراد من جهة أنّ الوضع لذات المعنى على إطلاقه بعد كون الداعي منحصراً في إفادة المراد لغو أولا توجب ذلك ؟
التحقيق : أنّ الغاية للوضع شيء آخر غير ما تصوّروه ؛ فإنّ الغرض منه إفادة ذوات المرادات لا بما هي كذلك ، بل بما هي نفس الحقائق ؛ فإنّ المتكلّم إنّما يريد إفادة نفس المعاني الواقعية ، لا بما هي مرادة . على أنّ كونها مرادة إنّما يكون عند الاستعمال أو من مقدّماته التي لا ترتبط بالوضع ، بل كونها مرادة مغفول عنه للمتكلّم والسامع .
أضف إليه : لو سلّمنا كون الغاية هي إفادة المرادات ، لكن كون شيء واقعاً في سلسلة العلل الفاعلية يقتضي حصوله عند حصول الوضع والمواضعة بين اللفظ والمعنى ، وأمّا أخذه في المعنى الموضوع له فلا .
هامش
( 1 ) - راجع الحكمة المتعالية 2 : 251 - 259 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 123 - 128 .