أضف إلى ذلك : أنّ عصيان الأمر لا يتأخّر عقلًا عن الأمر تأخّراً رتبياً ، وإن كان يتأخّر زماناً على تسامح ، فتذكّر .
وهناك تقريب ثان لبعض محقّقي العصر رحمه الله ، وملخّصه : أنّه لا إشكال في حكم العقل بالتخيير في صورة تساوي الفعلين في المصلحة ، وليس مرجع التخيير إلى اشتراط وجوب كلّ واحد بعصيان الآخر ؛ إذ لازمه تأخّر كلّ واحد من الأمرين عن الآخر ، ولا إلى اشتراط كلّ أمر بعدم وجود غيره ؛ إذ لازمه أن لا يقتضي كلّ أمر إيجاد مقتضاه حال وجود الآخر ، بل مرجعه إلى أنّ الطلب في ظرف المزاحمة يقتضي سدّ جميع أبواب العدم إلّا العدم الطارئ من إتيان ضدّه .
فحينئذٍ لنا أن نقول : إذا صحّ الطلب بالنحو المزبور إذ لم يكن بينهما مطاردة لنقص فيهما كذلك لم يكن بينهما مطاردة لو فرض نقص الطلب من طرف واحد ؛ ولو لم يشترط الناقص بعصيان التامّ .
وبالجملة : فالأمر بالأهمّ يقتضي سدّ باب الأعدام من جميع الجهات ، والأمر بالمهمّ يقتضي سدّها إلّا من قبل إتيان ضدّه ، وعليه فكيف يقتضي الطلب التامّ طرد هذا المقتضى ؟ ! إذ نتيجة طرده منع انسداد تلك الجهة ، وفي هذا الظرف لا اقتضاء للطلب الناقص ، فأين المطاردة من طرف واحد ؛ فضلًا عن الطرفين « 1 » ؟ انتهى .
قلت : يرد عليه ما أوردناه على التقريب الذي أوضحه بعض أعاظم العصر ؛ لأنّه عينه ؛ سيّما إذا لاحظت المقدّمة الرابعة من انحفاظ كلّ خطاب بالنسبة إلى ما يتصوّر له من التقادير ، ولكنّه يفترق عنه بأنّه إجمال مخلّ ، كما أنّ الأوّل تفصيل مملّ .
هامش
( 1 ) - مقالات الأصول 1 : 342 - 343 .