هامش
فالحجّة بما هي حجّة موضوع بحثه وعلمه وتعيّناتها التي هي الخبر الواحد والظواهر والاستصحاب وسائر المسائل الأصولية من العوارض الذاتية لها بالمعنى الذي ذكرنا .
فعلى هذا يكون البحث عن حجّية الخبر الواحد وغيره بحثاً عن العرض الذاتي التحليلي للحجّة ، ويكون روح المسألة : أنّ الحجّة هل هي متعيّنة بتعيّن الخبر الواحد أو لا ؟
وبالجملة : بعد ما علم الأصولي أنّ للَّه تعالى حجّة على عباده في الفقه يتفحّص عن تعيّناتها التي هي العوارض التحليلية لها ، فالموضوع هو الحجّة بنعت اللا بشرطية ، والمحمولات هي تعيّناتها .
وأمّا انعقاد البحث في الكتب الأصولية : بأنّ الخبر الواحد حجّة أو الظاهر حجّة وأمثال ذلك فهو بحث صوري ظاهري لسهولته ، كالبحث في الفلسفة بأنّ النفس أو العقل موجود ، مع أنّ موضوعها هو الوجود ، وروح البحث فيها : أنّ الوجود متعيّن بتعيّن العقل أو النفس أو الجوهر أو العرض .
هذا ، مع أنّه لو كان البحث في حجّية الخبر الواحد هو بهذه الصورة فأوّل ما يرد على الأصوليين : أنّ الحجّة لها سمة المحمولية لا الموضوعية ، كما أنّ هذا الإشكال يرد على الفلاسفة أيضاً . ونسبة الغفلة والذهول إلى أئمّة الفنّ والفحول غفلة وذهول .
بل لنا أن نقول : إنّ الموضوع في قولهم « موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية » ليس هو الموضوع المصطلح في مقابل المحمول ، بل المراد ما وضع لينظر في عوارضه وحالاته ، وما هو محطّ نظر صاحب العلم .
ولا إشكال في أنّ محطّ نظر الأصولي هو الفحص عن الحجّة في الفقه ووجدان مصاديقها العرضية وعوارضها التحليلية ، فالمنظور إليه هو الحجّة لا الخبر الواحد ، فافهم واغتنم .
إن قلت : هب أنّ البحث عن الحجّية في مسائل حجّية الظواهر والخبر الواحد والاستصحاب وأمثالها ممّا يبحث عن حجّيتها يرجع إلى ما ذكرت ، ولكن أكثر المسائل الأصولية لم يكن البحث فيها عن الحجّية أصلًا ، مثل مسألة اجتماع الأمر والنهي ووجوب مقدّمة الواجب
ومسائل البراءة والاشتغال وغيرها ممّا لا اسم عن الحجّية فيها .
قلت : كلّا ، فإنّ المراد من كون موضوع علم الأصول هو الحجّة هو أنّ الأصولي يتفحّص ممّا يمكن أن يحتجّ به في الفقه ؛ سواء كان الاحتجاج لإثبات حكم أو نفيه - كحجّية خبر الثقة والاستصحاب - أو لإثبات العذر وقطعه ، كمسائل البراءة والاشتغال .
والتفصيل : أنّ المسائل الأصولية : إمّا أن تكون من القواعد الشرعية التي تقع في طريق الاستنباط ، كمسألة حجّية الاستصحاب وحجّية الخبر الواحد ، بناءً على ثبوت حجّيته بالتعبّد ، وإمّا أن تكون من القواعد العقلائية ، كحجّية الظواهر والخبر الواحد ، بناءً على ثبوت حجّيته ببناء العقلاء ، وإمّا من القواعد العقلية التي تثبت بها الأحكام الشرعية ، كمسائل اجتماع الأمر والنهي ومقدّمة الواجب وحرمة الضدّ من العقليات ، وإمّا من القواعد العقلية لإثبات العذر وقطعه ، كمسائل البراءة والاشتغال .
وكلّ ذلك ما يحتجّ به الفقيه إمّا لإثبات الحكم ونفيه عقلًا أو تعبّداً أو لفهم التكليف الظاهري . وليس مسألة من المسائل الأصولية إلّا ويحتجّ بها في الفقه بنحو من الاحتجاج ، فيصدق عليها إنّها هو الحجّة في الفقه . [ المؤلف ] .