وقسم ثالث يكون التأليف اعتبارياً ، مثل اجتماع الأمور المتغايرة التي اعتبرت أمراً جملياً وواحداً اعتبارياً ، ومنه الفوج والعسكر والماهيات الاختراعية كالصلاة والحجّ ؛ فإنّ الوحدة في هؤلاء ليست إلّا بحسب الجعل والاعتبار ، ومع قطع النظر عن الاعتبار فهي وحدات عديدة مستقلّة ، وهناك وحدات أخرى ، قد قرّرت في محلّه « 1 » .
ثمّ إنّ ما هو المنظور من التقسيم إنّما هو القسمان الأخيران ، فنقول :
إنّ الغرض قد يكون قائماً بوجود كلّ واحد من الأفراد - وإن كان بينها وحدة وارتباط - كدفع الملالة الحاصل من لقاء الأصدقاء ؛ إذ هو يحصل بلقاء كلّ واحد منهم مستقلًاّ ، فعند تصوّر كلّ واحد يريد لقائه بإرادة مستقلّة .
وقد يكون قائماً بالمجتمع لا بالأفراد ، كمن يريد فتح عاصمة أو هزم جند الخصم ؛ فإنّه لا يحصل إلّا بالمئات المؤلّفة والوفود المجتمعة من أنصاره وعساكره .
فحينئذٍ كلّ واحد منها غير مراد ولا يحصل به الغرض ، وإنّما المراد والمحصّل له هو الفوج ، فيتصوّره ويشتاقه ويريد إحضاره . ففي هذا التصوّر تكون الآحاد مندكّة في الفوج ، ولا يكون كلّ واحد مشتاقاً إليه ولا متعلّقاً بالإرادة النفسية ؛ لعدم قيامه بفرد فرد مستقلًاّ حتّى يتوجّه إليه الاشتياق والإرادة النفسية .
نعم ، بعد ما أراد إحضار الفوج ثمّ أدرك أنّ وجود الفوج يتوقّف على وجود كلّ واحدٍ واحدٍ ، لا جرم يقع كلّ واحد في أفق النفس مورد التصوّر ، ويتعلّق به الإرادة لأجل غيره ، لا لأجل نفسه ، فيريد كلّ فردٍ فردٍ مستقلًاّ لأجل المقصود الأسنى . وعليه : ففي الفوج المؤلّف ملاك الإرادة النفسية لا الغيرية ، وفي كلّ واحد
هامش
( 1 ) - راجع الحكمة المتعالية 2 : 82 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 108 .