الخامس : في الثمرة بين القولين
الأولى : جريان أصل البراءة
لعلّك تتوهّم من هذا البيان أنّه يلزم عليه عدم إمكان التمسّك بالبراءة عند الشكّ في جزئية شيء للمأمور به ؛ إذ نسبة الأجزاء إلى الهيئة نسبة المحصِّل إلى المحصَّل ، والشكّ في دخالة شيء في المادّة يرجع إلى الشكّ في محقّق الهيئة البسيطة المعلومة ؛ من حيث المفهوم .
ولكنّك إذا نظرت إليه بعين الدقّة ترى سقوط التوهّم المذكور ؛ إذ فرق بين القول بأنّ الصلاة - مثلًا - موضوعة للناهية عن الفحشاء والمنكر أو ما يكون ملزوم ذلك ، وبين ما ذكرنا ؛ إذ الهيئة الخضوعية والصلاتية مشاهدة معلومة لأفراد المسلمين ومرتكزة لأهل القبلة ، لا يشكّ فيها العاكف والبادئ ، والمسمّى محقّق ولو عند فقدان ما يشكّ في وجوبه بل وعند فقدان بعض ما يعلم وجوبه أيضاً .
فحينئذٍ : الشكّ لا يرجع إلى الشكّ في تحقّق المسمّى بل إلى شرطية شيء أو جزئيته للمأمور به ؛ زائداً على ما يتحقّق به المسمّى .
وإن شئت قلت : إنّ المأمور به هو الهيئة الوحدانية الحاصلة من تلك الموادّ ، من دون أن يتعلّق النظر إلى الكثرات والموادّ ، وهي متّحدة معها اتّحاد الصورة مع المادّة وليس هنا من المحصِّل والمحصَّل عين ولا أثر .
فعند ذلك إذا تعلّق الأمر بتلك الهيئة التي اتّخذت لنفسها حقيقة وحدانية يكون ذلك بعثاً إلى الأجزاء والموادّ التي تنحلّ الماهية إليها ؛ إذ الأمر بإيجاد صورة