فرض عدم أقربيّة رأي الأعلم إلى الواقع ، أو قلنا بعدم دَخْل الأقربيّة إلى الواقع في المقام ، وهو أنّه إذا كان الأعلم أجود استنباطاً ، وأخبر بمجاري الأصول وغيرها تعيّن الرجوع إليه عقلًا ؛ لإذعان العقل بلزوم تقديمه وإدراكه له ؛ لأنّ التسوية بينه وبين المفضول مثل التسوية بين العالم والجاهل ، لا أنّ العقل متوقّف في ذلك « 1 » . انتهى حاصله .
أقول : لا ريب في دَخْل القرب إلى الواقع في حجّيّة رأي المجتهد ؛ لما تقدّم من أنّ رأيه أمارة إلى الواقع ، لكنّ المدّعى هو أنّ علّة جعل الأمارة شرعاً ، لا تنحصر في وجود المقتضي وانتفاء المانع ، وبعبارة أخرى : ليست العلّة في جعل حجّيّة الأمارات منحصرة بالمقتضي والمانع ، بل يمكن وجود مصالح عامّة هي العلّة في جعل الأمارات ، مع أنّه كثيراً ما تخالف الواقع ، كعدم لزوم العسر والحرج واختلال النظام ، وإلّا يلزم عدم كون الشريعة سمحة سهلة ، فليس التعبّد برجوع الجاهل إلى العالم وتقليد المجتهد في الأحكام الشرعيّة لخصوصيّة زائدة ، بل لأجل مراعاة مصالح عامّة ، لا ينافي ذلك مطلوبيّة الأحكام الواقعيّة للشارع ، نعم في موارد عدم إصابة الأمارة للواقع ، لا بدّ وأن يرفع اليد عن الأحكام الواقعيّة .
فما ذكر قدس سره : من أنّ القرب إلى الواقع إمّا جزء المقتضي لحجّيّة فتوى المجتهد ، أو شرط ، غير صحيح ، فليس الأمر دائراً بينهما .
وأمّا الوجه الأخير الذي ذكره لوجوب تقليد الأعلم ، ففيه : أنّه تقريب لأقربيّة فتواه إلى الواقع ؛ حيث قال : إنّ الأعلم أجود استنباطاً ، وهو صحيح .
لكن ما ذكره قدس سره : من إذعان العقل بعدم التساوي بينهما ، وأنّ التساوي بينهما كالتساوي بين العالم والجاهل .
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية 3 : 215 - 216 .