ثمّ لا نُسلّم كون المنذر به من جنس ما يُتفقّه فيه ؛ لأنّه خلاف ظاهر الآية ؛ لأنّ ظاهرها أنّ غاية النَّفْر أمران :
أحدهما : التفقّه في الدين أوّلًا .
ثانيهما : الإنذار بعده .
ولا يلزم حينئذٍ أن يكون المنذَر به من جنس المتفقَّه فيه ، وأيضاً لا دليل على أنّ المراد من المنذَر به هو الفتوى ، بل هو خلاف ظاهر الآية ، فالظاهر أنّ المراد تخويف الناس ؛ بذكر الآيات والأخبار الواردة في الوعيد على مخالفة اللَّه والرسول ، كما هو دأب الواعظين .
لا يقال : إنّه لا يناسبه حينئذٍ قوله :
« لِيَتَفَقَّهُوا »
؛ لإمكان الوعظ والتخويف من غير المتفقّه في مسائل الحلال والحرام .
لأنّه يقال : وجه المناسبة : هو أنّه لا يمكن الإنذار إلّا من الفقيه البصير بالحلال والحرام وأصول العقائد ومباني الإسلام ، ولا يختصّ بالفروع ، بل يشمل أصول الدين ، إلّا أنّه فيه مقيِّد لصورة حصول العلم ، وإلّا فربّما يؤدّي إنذاره إلى ما هو خلاف المطلوب .
مع أنّه لا نسلّم أيضاً أنّ المراد من التحذير وجوب التحذير العملي ، بل ظاهر الآية أنّ المراد : لعلّه يوجد في أنفس القوم ما يوجب التذكّر والخوف من العقاب وزوال الغفلة ، مثل قوله تعالى :
« لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
« 1 » .
وعلى فرض الإغماض عن جميع ما ذكر لا نسلّم إطلاق الآية ؛ بحيث يشمل صورة اختلاف المفضول للفاضل في الفتوى ؛ لأنّها ليست في مقام بيان ذلك .
كما أنّه لا نسلّم إطلاقها الشامل لصورتي حصول العلم من إنذار المنذر وعدمه ،
هامش
( 1 ) - طه ( 20 ) : 44 .