الأمر الثالث البحث حول منصب القضاء والحكومة
من العناوين المتقدّمة : « مَنْ يجوز قضاؤه وينفذ حكمه وفصل الخصومة بحكمه » ، وهو المهمّ في هذا المقام ، فلا بدّ من بسط الكلام فيه والبحث عنه ، وقبل الخوض فيه لا بدّ من تحرير مقتضى الأصل فيه .
فنقول : الأصل ومقتضى القواعد العقليّة عدم سلطنة أحدٍ على أحد ، وعدم نفوذ حكمه على غيره ؛ لا في رفع الخصومات والمنازعات ، ولا في الأمور السياسيّة التي يحتاج الناس إلى إقامتها ، وإن كان نبيّاً ورسولًا من اللَّه إليهم ، وعالماً بعلوم الأوّلين والآخرين ، فإنّه لا ارتباط لباب فصل الخصومة والقضاء والسلطنة بكون الشخص عالماً عادلًا ، بل ونبيّاً ، بحيث يثبت له السلطنة على الناس من دون احتياج إلى الجعل من اللَّه تعالى ، فإنّ مجرّد النبوّة لا يستلزم عقلًا حكومته على الناس ، وقاضياً يحكم بينهم ؛ بحيث لم تجز لأحد مخالفته ، وإن كان مُحقّاً في الواقع وحكمه مطابقاً للواقع ، بل يحتاج هذا المنصب إلى الجعل والنصب ؛ لينفذ حكمه ، ولم تجز مخالفته وإن علم الخصم المنازع بأنّه محقّ في الواقع ، كما لو حلف المدّعى عليه : أنّه ليس بمديون لزيد المدّعي ، وحكم الحاكم الشرعي بذلك ، فإنّه لا يجوز لزيد أخذ المال المدّعى به وإن علم بكونه مُحقّاً في الواقع ، فالقاضي يحكم من عنده ، لا أنّه يُخبر عن حكم اللَّه تعالى ، ولو أخبر بحكم اللَّه في مورد المنازعة لم تنفصل به الخصومة .
وكذلك الكلام في نصب الولاة ، فإنّ أمير المؤمنين كان ينصب الولاة في البلاد من قِبَل نفسه - بعد جعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الولاية والسلطنة له - لا عن اللَّه تعالى