ظاهر الرواية أنّ هذه الصفات مرجِّحة واحدة ؛ حيث عطف كلّ واحدة منها على الأخرى ب « الواو » ، لا ب « أو » ، وظاهره عدم استقلال كلّ واحدة منها في الترجيح ، إلّا أن يجعل « الواو » بمعنى « أو » ، وهو خلاف الظاهر ، ولم يفهم الراوي أيضاً منها إلّا ذلك ، فلو لا فهمه أنّ مجموعها مرجِّح واحد ، وأنّ كلّ واحد منها جزء السبب الموضوع للترجيح ، لم يكن للسؤال المذكور فيها وقع ، بل كان المناسب السؤال عن اختلاف الراويين في تلك الصفات ؛ بأن يكون أحدهما أعدل ، والآخر أصدق ، فعدم سؤاله عن ذلك يكشف عن أنّه لم يفهم من الجواب استقلال كلّ واحدة منها في الترجيح .
وثانياً : ما أفاده - من أنّ اعتبار الأصدقيّة ونحوها إنّما هو من جهة الأقربيّة إلى الواقع - فهو مجرّد دعوى لا دليل عليها ، ولا أظنّ أن يعتمد هو قدس سره على هذه الاعتبارات ، ولم يكن دأبه في الفقه على الاتكاء على هذه الأمور الاعتباريّة العقليّة ، خصوصاً بناءً على ما ذكره قدس سره : من التفكيك بين الأصدقيّة والأوثقيّة وبين الأعدليّة والأفقهيّة ، وأنّ الترجيح بالأوّلتين بملاك الأقربيّة ، بخلاف الأخيرتين ؛ لأنّه - بناءً على احتمال الخصوصيّة في الأخيرتين - لا وجه للتعدّي .
نعم بناءً على ما ذكرناه في تقريب هذا الوجه - من أنّ جميع هذه الأوصاف إنّما جعلت مرجّحة بمناط واحد جامع بينهما ، وهو الأقربيّة فقط - فله وجه ، بخلاف ما ذكره من التفكيك بين الأوصاف المذكورة ، فلعلّ أصل الحكم بالتّعدّي كان ثابتاً عنده قدس سره ؛ للإجماعات المدّعاة فيه والشهرة ، وأيّده بما ذكره في هذا الوجه ، وإلّا فهو ممّا لا يصلح للاعتماد عليه والتمسّك به لذلك .
وثالثاً : قد عرفت أنّ المقبولة - خصوصاً صدرها المشتمل على تلك الصفات - إنّما هي في الحَكَمين فالتعدّي عنها إلى صفات الراوي ، ومن صفات الراوي إلى صفات الرواية في غاية البُعد .
الوجه الثاني ما حاصله : أنّ تعليله عليه السلام في المقبولة - بأنّ المجمع عليه لا ريب
تنقيح الأصول تقرير أبحاث السيد روح الله الموسوي الخميني — صفحة 573
مساهمون: الشيخ حسين التقوي الاشتهاردي
ص٥٧٣