فتلخّص من جميع ما ذكرناه : أنّ المرجِّح في تعارض الخبرين ينحصر في أمرين : أحدهما موافقة الكتاب ، الثاني مخالفة العامّة .
وذكر عليه السلام في مصحَّحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللَّه : أوّلًا الترجيح بموافقة الكتاب ، ومع عدم وجوده فيه فالعرض على أخبار العامّة ، فتدلّ على الترتيب بينهما ، وهي حاكمة على جميع الإطلاقات الواردة فيهما ، وينحلّ بها الإشكال المتقدّم عن شيخنا الحائري قدس سره من تعارض إطلاقي هاتين الفرقتين من الروايات .
وقد تقدّم : أنّ خبر التخيير منحصر في خبر ابن الجهم ، وهو بقرينة ذكر الترجيح بموافقة الكتاب أوّلًا ثم الحكم بالتخيير ، يدلّ على أنّ مورد التخيير هو غير صورة موافقة أحد الخبرين للكتاب ، فلا يلزم فيه حينئذٍ إلّا تقييد واحد ، وهو تقييد الحكم بالتخيير بغير صورة مخالفة أحدهما للعامّة وموافقة الآخر لهم .
نعم ذكر في ذيل المقبولة - بعد ذكر موافقة الكتاب وموافقة العامّة - مرجِّحاً آخر ، وهو ما كان حكّامهم إليه أميل ؛ بناءً على أنّ ذيلها وارد في الخبرين المتعارضين ، فهو مرجِّح ثالث ، فيقيّد به الحكم بالتخيير أيضاً ، ولكن تقدّم الإشكال في ارتباط ذيل المقبولة بالمتعارضين .
وورد في بعض الأخبار الأمر بالأخذ بأحدثهما ونحو ذلك ، لكن الظاهر أنّه وأمثاله أيضاً غير مرتبط بباب المتعارضين والمرجّحات في زمان الغيبة ، بل هو إشارة إلى أنّه قد يصدر منهم عليهم السلام ما ليس حكماً واقعيّاً ، بل صدر تقيّة أو لاقتضاء بعض المصالح ذلك ، ويؤيّده : أنّ في بعضها قوله عليه السلام :
( أبى اللَّه إلّا أن يعبد سرّاً )
« 1 » ، أو
( التقيّة من ديننا )
« 2 » .
هامش
( 1 ) - الكافي 2 : 173 / 7 ، وسائل الشيعة 18 : 80 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 17 .
( 2 ) - الكافي 2 : 174 / 12 ، وسائل الشيعة 11 : 460 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب الأمر والنهي وما يناسبه ، الباب 24 ، الحديث 3 .