قوله عليه السلام :
( الناس في سعة ما لا يعلمون )
، وحديث الرفع ونحوه ممّا علّق الحكم بالبراءة فيه على عدم العلم ، وما أفاده قدس سره لا يستقيم في هذه الأدلّة .
فالتحقيق : أن يقال : إنّ لسان أدلّة البراءة الشرعيّة هو تعيين الوظيفة للمكلّفين عند الشكّ في الحكم الواقعي ، فمفادها أحكام ظاهريّة ، كأصالتي الحلّيّة والطهارة عند الشكّ فيهما وعدم العلم بالحكم الواقعي منهما ، وليس مفادها الحكم الواقعي وتعيينه ، كما في الأمارات .
وأمّا قوله عليه السلام :
( لا ينقض اليقين . . . )
إلى آخره ، فإن قلنا : إنّ مفاده هو أنّ العلم واليقين متحقّق وموجود تعبّداً ، وأنّه على يقين بحكم الشارع في ظرف الشكّ ، فهو من أوضح أفراد الحكومة على البراءة الشرعيّة ؛ حيث إنّ موضوعها - الذي هو الشكّ في الحكم الواقعي وعدم العلم به - يرتفع بالاستصحاب تعبّداً ، وعلى تقدير إرادة عدم الحجّة من الشكّ وعدم العلم في أدلّة البراءة ، فنتيجة هذه الحكومة هي الورود .
وإن قلنا : إنّ مفاد
( لا ينقض )
هو النهي عن النقض العملي وحرمته ، والبناء العملي على بقاء ما كان ، فإن استفيد منه عرفاً حرمة نقض ما كان بعنوانه الواقعي ، لا نفس عنوان اليقين ، ولا المتيقَّن بما هو متيقَّن ، فالاستصحاب حينئذٍ حجّة على الواقع ، فإن أريد من عدم العلم في أدلّة البراءة ، مثل
( الناس في سعة ما لا يعلمون )
هو عدم الحجّة ، فالاستصحاب حينئذٍ حاكم أيضاً على أدلّة البراءة الشرعيّة ، ونتيجة هذه الحكومة هي الورود أيضاً ؛ لتحقّق الغاية المأخوذة في أدلّة البراءة المتكفّلة لبيان جعل الوظيفة ، وهي عدم الحجّة بالاستصحاب .
وإن أريد من عدم العلم في أدلّة البراءة - مثل
( ما لا يعلمون )
« 1 » - العلمُ الوجداني لا عدم الحجّة ، فالاستصحاب حاكم على أدلّة البراءة أيضاً ، لكن ليس نتيجتها الورود ؛ لعدم حصول العلم الوجداني بالاستصحاب .
هامش
( 1 ) - التوحيد : 353 / 24 ، الخصال : 417 / 9 ، وسائل الشيعة 11 : 295 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .