وليس الملاك والمناط في تقديمه على الأوّل ، أظهريّته في مدلوله من الأوّل ؛ لما سيجيء - إن شاء اللَّه - : من أنّ تقديم أحد دليلين لأجل أظهريّته نادر جدّاً ؛ حتّى في الأعمّ والأخصّ المطلقين ، ولوضوح أنّ الثاني ليس أظهر في مدلوله من الأوّل .
بل المناط في تقديمه : إمّا ما كنت أظنّه في سابق الزمان : وهو أنّ الثاني متعرّض لإحدى مقدّمات الآخر أو مؤخّراته أو لموضوعه ، والتصرّف فيه بتضيّق دائرته أو توسعته ؛ وذلك لأنّ كلّ دليل له مقدّمات كالتصوّر والتصديق بالفائدة والإرادة ، ومؤخّرات ولوازم كلزوم الإطاعة وحرمة المخالفة ووجوب الإعادة عند المخالفة ونحو ذلك ، وموضوع يتعلّق به الحكم ، فإن لم يتعرّض واحد منهما لواحدة من هذه المذكورات ، فهما متعارضان لو كان بين عنواني موضوعيهما عموم من وجه ، مثل :
« أكرم العلماء ، ولا تكرم الفسّاق » ، وإن كان أحدهما متعرّضاً لواحدة من الأمور التي ذكرناها ، كما لو قال بدل الثاني : « ما أردت إكرام الفسّاق » أو « ما جعلت وجوب الإكرام للفسّاق » أو « لا صلاح فيه » ، أو « النحويّ ليس بعالم » أو « زيد عالم » ، فإنّ الثاني حيث إنّه متعرّض للأوّل في بعض الجهات المتقدّمة ، فهو مقدّم على الأوّل عند العرف ، ولا يُعدّان متعارضين .
ومن هذا القبيل قوله تعالى :
« ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ »
« 1 » ، وقوله تعالى :
« وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
« 2 » ، وقوله عليه السلام :
( لا ضرر ولا ضِرار )
« 3 » بالنسبة إلى أدلّة الأحكام الأوّليّة ، وقوله عليه السلام :
( لا شكّ لكثير الشكّ )
« 4 » بالنسبة إلى أدلّة أحكام
هامش
( 1 ) - الحج ( 22 ) : 78 .
( 2 ) - البقرة ( 2 ) : 185 .
( 3 ) - الكافي 5 : 292 و 293 / 2 و 6 ، وسائل الشيعة 17 : 376 ، كتاب الفرائض والمواريث ، أبواب موانع الإرث ، الباب 1 ، الحديث 10 .
( 4 ) - الظاهر أنّها قاعدة متصيّدة من الأخبار ، راجع وسائل الشيعة 5 : 329 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 16 .