عقلًا ، فلا تتّحد القضيّتان فيما لو احتمل دَخْل الزمان أو المكان في موضوع الحكم الأوّل ، كما لو فرض حلّيّة شرب الخمر في ابتداء الإسلام ؛ لعدم بسط يد الشارع كاملًا فيه ، فمع هذا الاحتمال ففي الزمان اللّاحق ليس الموضوع فيه ذاك الموضوع ؛ لانتفاء الزمان الأوّل فيه ، فلو كان المناط في اتّحاد القضيّتين هو نظر العقل ، انسدّ باب الاستصحاب في الأحكام حتّى في الشكّ في النَّسْخ ؛ لما عرفت من احتمال دَخْل الزمان الأوّل في الموضوع عقلًا ، المفقود في الزمان اللّاحق ، فلا تتّحد القضيّتان موضوعاً .
فإن قلت : خصوصيّة الزمان ملغاة في باب الاستصحاب .
قلت : مرجع ذلك : أنّ الملاك فيه ليس اتّحاد القضيّتين عقلًا ، وعدم اعتبار تحقّق الموضوع فيه عند العقل ، وهكذا الكلام في كثير من الاستصحابات الموضوعيّة ، فلو كان المناط فيها بقاء الموضوع بنظر العقل لزم عدم جريان تلك الاستصحابات ، كما في استصحاب الكرّيّة عند نقصان قدر يسير منها في الحال اللّاحق ، فإنّ الموضوع بحسب الدِّقّة العقليّة غير محفوظ ، بخلاف ما لو قلنا : إنّ المناط فيه نظر العرف أو لسان الدليل ، فإنّه لا يستلزم هذا الإشكال ، وهو واضح لا إشكال فيه .
وإنّما الإشكال في الفرق بين كون الملاك هو نظر العرف أو لسان الدليل ؛ حيث إنّ الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام منزّلة على الفهم العرفي ونظر العقلاء .
ويمكن أن يقال : إنّ الفرق بينهما أيضاً واضح ، فإنّه لو قلنا : إنّ الملاك هو لسان الدليل ، فلا بدّ من ملاحظة الأدلّة الاجتهاديّة ، وكلّ عنوان اخذ فيها موضوعاً فهو الموضوع بمعناه العرفي ، فلا بدّ في حفظه من صدق ذلك العنوان عليه مثل عنوان « العالم » في « أكرم العالم » وصدق « العنب » في قوله عليه السلام :
( العصير إذا نشّ أو غلا يحرم )
« 1 » ونحو ذلك ، فلو زال علمُ مصداقٍ من العلماء أو صار العنب زبيباً ، فليس
هامش
( 1 ) - الكافي 6 : 419 / 4 ، تهذيب الأحكام 9 : 120 / 515 ، وسائل الشيعة 17 : 229 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأشربة المحرّمة ، الباب 3 ، الحديث 4 .