لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلًا ؛ لأجل وضوح لزومه له أو ملازمته معه بمثابة يعدّ أثره أثراً له « 1 » .
والتحقيق : أنّه إن أريد من خفاء الواسطة عدم درْك العرف لها ولو بالنظر الدقّي ، ويرون أنّ الأثر هو للمستصحب حقيقة ، وإنّما يُدركها العقل بالبراهين ، فالحقّ جريان الاستصحاب فيه وعدم عدّه مثبتاً ، مثل أنّ الموضوع للحرمة في قوله تعالى :
« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
- إلى قوله -
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »
« 2 » هو عنوان الخمر عرفاً لا غير ، لكن العقل حيث إنّه يميّز بين الجهات والحيثيّات التعليليّة للحكم ، وأنّ للخمر عناوين ، وأنّه مائع ملوَّن بلون كذا ، وأنّه مُسكر ، ونحو ذلك ، ويدرك أنّ الحكم بالحرمة إنّما هو لأجل الإسكار ، وأنّه لا دَخْل للّون والمائعيّة في الموضوعيّة للحرمة ؛ فإنّ الماء - مثلًا - أيضاً مائع وليس بحرام ، يفهم ويحكم بأنّ تمام الموضوع للحرمة هو الإسكار ، وأنّ الجهة التعليليّة هي موضوع الحرمة .
فلو علم بأنّ هذا المائع كان خمراً ، وشكّ في بقاء خمريّته ، فحيث إنّ تمام الموضوع عند العرف هو الخمر لا الإسكار ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب وترتّب الحرمة عليه ؛ لاتّحاد القضيّة المتيقَّنة مع المشكوكة عرفاً ، وترتّب الأثر عليه وإن لم يكن كذلك عقلًا ؛ لأنّ الموضوع عند العقل هو الإسكار ، ولا يثبت ذلك باستصحاب عنوان الخمر ، لكن هذه الواسطة خفيّة لا يراها العرف ولو بنظره الدِّقّي الغير المسامحي ، وأنّ الإسكار واسطة في ثبوت الحكم للخمر ، لا تمام الموضوع ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب فيه وعدم عدّه مثبتاً .
وإن أريد من خفاء الواسطة ما يُدركه العقل بالنظر الدِّقّي ، لكن ينتسب الأثر إلى المستصحب في محيط العرف بالنظر المسامحي ، فالحقّ عدم جريان الاستصحاب
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 473 .
( 2 ) - المائدة ( 5 ) : 90 .