والعجب من بعض أعاظم أهل النظر - الشيخ محمّد حسين - مع ذهابه إلى ما هو الحقّ والتحقيق - من أنّ الطبيعة عين الفرد في الخارج - قال ما حاصله : إنّ الطبيعي قد يلاحظ بما أنّه متعيِّن بلحاظ حصّة من هذا الطبيعي الوحداني متعيِّناً بتعيُّن الزيديّة - مثلًا - فذات الحصّة المحفوفة بذلك التعيُّن - لا مجموع التعيُّنات - هي الماهيّة المتشخّصة بتشخّص ماهويّ ، وقد لا يلاحظ بما أنّه لا متعيّن ، بل بذاته ؛ بحيث يقصر النظر على ذاته وذاتيّاته ، ومن المعلوم أنّ الطبيعي - بما هو - لا وجود له في نظام الوجود ، بل لا يوجد إلّا متعيّناً بأحد أنحاء التعيُّنات ، لكن اللّامتعيّن بذاته موجود في ضمن المتعيِّن ، وحينئذٍ فالقدر المشترك - المعبّر عنه بالطبيعي بحسب وجوده الواقعي له نحو تعيّن ، إلّا أنّه ربّما يكون معلوماً بما له من التعيّن ، وربّما يكون معلوماً بذاته ، وما نحن فيه من قبيل الثاني ، وأنّ المعلوم فيه ليس إلّا ذات الطبيعي المتعيّن ، لا معلوميّة تعيّنيّة ، ولا ملازمة بين معلوميّة ذاته وبين معلوميّة تعيُّنه ، فبعد زوال أحد التعيّنين الذي فرض تردّد المعلوم بينهما ، يكون بقاء ذات الطبيعي وذات المتعيِّن مشكوكاً ؛ لاحتمال كون تعيُّنه هو الباقي أو الزائل ، فيستصحب « 1 » . انتهى .
أقول : هذا الذي ذكره قدس سره لا يدفع الإشكال المذكور ؛ لأنّه إن أراد أنّ في الخارج موجوداً واحداً في كلّ واحد من الأفراد ، لكن لا بنحو التعيّن ، فهو ممنوع ؛ لأنّ الطبيعي متكثّر بذاته في الخارج - كما تقدّم - ففي الخارج أناسيّ كثيرة ، لا إنسان واحد ، والاختلاف إنّما في الخصوصيّات واللواحق ، ولذا قال الشيخ أبو علي ابن سينا : إنّ إنسانيّة هذا الفرد غير إنسانيّة ذاك الفرد الآخر « 2 » ، فالبقّ تمام طبيعة الحيوان ، والفيل طبيعة أخرى منه تامّة ، والمعلوم هو وجود هذه الطبيعة سابقاً أو تلك الطبيعة ، لا الطبيعة المشتركة بينهما ، والمشكوك الذي يراد استصحابه ليس ذا ولا ذاك ، بل هو
هامش
( 1 ) - نهاية الدراية 3 : 72 سطر 21 .
( 2 ) - رسائل ابن سينا 1 : 471 .