وأمّا القائلون : بأنّها من حدود التكليف وقيوده ، وأنّه يمتنع تكليف الناسي والغافل - كالمحقّق العراقي قدس سره - فأجابوا عنه تارةً : بأنّه لا فرق في المقام بين نحوي الجعل الوضعي والتكليفي ، فإنّ الأوامر التكليفيّة المنتزعة عنها الجزئيّة والشرطيّة ، وكذلك النواهي المنتزعة عنها المانعيّة ، مثل : « لا تُصلِّ في وبر ما لا يؤكل لحمه » فهي إرشاديّة ، لا مولويّة نفسيّة ، فيمكن توجيهها نحو الناسي أيضاً ، فلا فرق بينها وبين مثل :
( لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب )
، فكما تستفاد الجزئيّة للفاتحة منه ، ويشمل إطلاقها حال النسيان ونحوه ، فكذلك مثل « صلِّ مع الفاتحة » .
وأخرى : بأنّه سلّمنا أنّ هذه الأوامر والنواهي ليست إرشادية ، بل مولويّة نفسيّة ؛ بدعوى أنّ المولى فيها في مقام بيان الحكم التكليفي ، لكن نقول : استحالة تكليف الناسي والغافل ليست من الضروريّات ؛ حتّى يقال : إنّه من القرائن الحافّة بالكلام المانعة عن انعقاد الظهور له ابتداءً ، بل هو من الأحكام العقليّة النظريّة التي تفتقر إلى التفكّر والتأمّل ، وحينئذٍ فلا يمنع عن انعقاد الظهور .
نعم بعد حكم العقل بذلك بالتأمّل والتدبّر يرفع اليد عن حجيّة ظهوره ، لكن يمكن التجزئة في ذلك بأن يرفع اليد عن حجّيّة ظهوره بالنسبة إلى الحكم التكليفي ، ويبقى حجّيّته بالنسبة إلى الحكم الوضعيّ ، كالجزئيّة والشرطيّة والمانعيّة لشيء المنتزعة منه .
وثالثةً : مع الإغماض عن ذلك كلّه لا مانع من التمسّك بإطلاق المادّة في مثل قوله : « اسجد في صلاتك » ونحوه ؛ لأنّه يستفاد منه أنّ طبيعة السجدة مطلوبة مطلقاً بلا قيدٍ وشرط « 1 » .
هذه خلاصة الوجوه التي ذكرها المحقّق العراقيّ ، ولكنّها فاسدة :
أمّا الوجه الأوّل ففيه : أنّه ليس معنى الإرشاديّة استعمال الأمر أو النهي - في
هامش
( 1 ) - نهاية الأفكار 3 : 424 .