الترخيص في ارتكاب جميع أطراف العلم الإجمالي إلى أن يتحقّق العلم التفصيلي بالحرام ، والترخيص في الشبهات البَدْويّة حتّى يحصل العلم بالحرام ولو إجمالًا ، فإنّ مقتضى الأوّل الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي ، ومقتضى الثاني عدمه ، فيلزم التناقض في مدلول الرواية .
مضافاً إلى أنّ العرفان إنّما يطلق في الجزئيّات إذا تميّز الجزئي بجميع خصوصيّاته الشخصيّة ، ولا يطلق على المردّد بين الفردين أو الأفراد ، بل يطلق عليه العلم لا المعرفة ، فمعرفة الشيء بعينه هو الذي يشار إليه بالإشارة الحسّيّة ، فالمتبادر من الرواية عرفاً هو إرادة أطراف العلم الإجمالي بالخصوص ؛ أي الاحتمال الأوّل من الاحتمالات الثلاثة المتقدّمة ، وأنّ المراد بالمعرفة هي المعرفة التفصيليّة ، وأنّ المراد بالشيء : هو المختلط بالحرام والحلال .
لكن هنا إشكال آخر - مع قطع النظر عن مجهوليّة محمّد بن سليمان ؛ لاشتراكه بين الثقة والضعيف - وهو أنّ العلم الإجمالي بوجود الحرام في الجبن إنّما هو لمكان الإنفحة التي اخذت من الميتة ، والروايات متضافرة من أهل البيت عليهم السلام على حلّيّته « 1 » ، لكن حيث إنّهم زعموا حرمتها بيّن الإمام عليه السلام جواز أكله بطريق آخر تنطبق هذه القاعدة عليه .
والحاصل : أنّ هذا البيان من الإمام عليه السلام إنّما هو لأجل عدم تسليم الخصم حلّيّة الإنفحة ، كما يظهر ذلك من
رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام في حديث : أنّ قتادة قال له : أخبرني عن الجبن .
فقال عليه السلام : ( لا بأس به ) .
فقال : ربّما جُعِلت فيه إنفحة الميتة .
فقال عليه السلام : ( ليس به بأسٌ ؛ إنّ الإنفحة ليس لها عروق ، ولا فيها دم ، ولا لها
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة 16 : 444 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المحرّمة ، الباب 33 .