أقول : أمّا ما ذكره أوّلًا ، ففيه : أنّه ليس في الشريعة أصل يسمّى بأصالة الإباحة ، فإنّه لم يدلّ عليها دليل ولا خبر ، والتي يدلّ عليها الدليل هي أصالة الحِلّ ، وبينهما فرق في المتفاهم العرفي ، فإنّ المتبادر عرفاً من الإباحة هو خُلُوّ الفعل عن التكليف الإلزامي ، لا بفعله ولا بتركه ، فهي في قبال الوجوب والحرمة ، بخلاف الحلّيّة ، فإنّ المتبادر منها عرفاً هو ما يقابل الحرمة فقط ، فيقال : إنّ هذا الشيء حلال لا حرام ، ولا يقال : إنّه حلال لا واجب ، ولهذا قال عليه السلام :
( حتّى تعرف أنّه حرام )
، وأصالة الحلّيّة لا تناقض أصل الإلزام هنا ؛ لما عرفت من أنّها في قبال الحرمة فقط لا الوجوب ، ومن المحتمل أن يكون التكليف الإلزامي المعلوم إجمالًا هو الوجوب في المقام ، فلا تنافي بينهما .
وأمّا قوله عليه السلام :
( كلّ شيءٍ مطلق حتّى يرد فيه نهي )
« 1 » فمرجعه أيضاً إلى أصالة الحلّيّة .
نعم في نسخة أخرى - على ما نقلها الشيخ قدس سره - :
( حتّى يرد فيه نهي أو أمر )
« 2 » فهي بناءً عليها تنطبق على أصالة الإباحة ، لكنّها غير معتمد عليها ؛ لإرسالها ، مع اختلاف النسخ فيها .
وأمّا ما ذكره ثانياً ، ففيه : ما تقدّم من أنّ المختار شمول الرواية للشبهات الحكميّة أيضاً .
وأمّا ما ذكره ثالثاً ، ففيه : أنّ مقتضى ما ذكره - من أنّ مفاد أصالة الإباحة الرخصة في الفعل والترك - هو عدم جريانها في الشبهات البَدْويّة التحريميّة ؛ لأنّه
هامش
( 1 ) - الفقيه 1 : 208 / 22 ، وسائل الشيعة 18 : 127 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 60 .
( 2 ) - الأمالي ، الشيخ الطوسي : 669 / 1405 ، باختلاف يسير ولكن حكي في القوانين والفرائد بعينه ، لاحظ قوانين الأصول 2 : 17 سطر 9 ، فرائد الأصول : 236 سطر 12 .