ولبّس عليهم أمر دينهم ، وأرادوا الهدى من تلقاء أنفسهم ، فقالوا : لِمَ ومتى وكيف ؟
فأتاهم الهُلْكُ من مأمن احتياطهم ، وذلك بما كسبت أيديهم
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 1 » ، ولم يكن ذلك لهم ولا عليهم ، بل كان الفرض عليهم والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر ، وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ومستنبطه ؛ لأنّ اللَّه تعالى يقول في كتابه :
« وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ »
« 2 » ؛ يعني آل محمّد ، وهم الذين يستنبطون من القرآن ، ويعرفون الحلال والحرام ، وهم الحجّة للَّه على خلقه )
« 3 » .
وهذه الرواية - أيضاً - في مقام التوبيخ والتعيير على العامّة العمياء الذين تركوا أهل البيت ، ولم يرجعوا إليهم في أحكامهم ومعرفة الحلال والحرام ، وحكموا من عند أنفسهم على طبق الأقيسة والاستحسانات العقليّة .
الثانية : ما دلّ على النهي عن التقوّل بغير علم « 4 »
، وقد تقدّم أنّه ليس المراد بالعلم العلم الوجداني الجازم ، بل المراد هو الحجّة ، وإلّا لما صحّ التمسُّك بالأمارات والأصول المعتبرة الغير القطعيّة ، وأصالة البراءة منها ، فالاستنادُ إليها بمثل حديث الرفع ونحوه استنادٌ إلى الحجّة المعتبرة .
الثالثة : ما دلّ على وجوب الوقوف عند الشبهة
بنحو الإطلاق ، الدالّة على وجوب الاحتياط وتثليث الأمور ، مثل
ما رواه الكليني قدس سره عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن الحسين بن الجارود ، عن موسى بن بكر بن دأب ، عمّن حدّثه ، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال لزيد بن علي :
هامش
( 1 ) - فصِّلت ( 41 ) : 46 .
( 2 ) - النساء ( 4 ) : 83 .
( 3 ) - تفسير العيّاشي 1 : 260 / 206 ، وسائل الشيعة 18 : 125 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 49 .
( 4 ) - بحار الأنوار 2 : 113 و 118 / 2 و 20 و 21 .