فيه ما لا يخفى ، فلا يمكن القرب والمثوبة بالمقدّمات التوصّلية بوجه .
نعم ، المقدّمة التي تصلح ذاتاً للعباديّة والمقرّبيّة ، كالطهارات إذا أتى بها مستشعراً بذلك حين فعلها ، فهي مقرِّبة وعبادة يترتّب عليها المثوبة ، فإنّها بما أنّها ممّا تصلحُ للعباديّة تعلّق بها الأمر الغيري ، فمع قصده - أيضاً - تقع عبادة ، وقد تقدّم أنّه لا تنافي بين استحبابها ذاتاً ووجوبها بالغير ، خلافاً للمحقق العراقي ؛ حيث ذكر أنّ الطهارات الثلاث تنحلّ إلى مقدّمتين : إحداهما ذواتها ، وثانيتهما كونها عبادة ، فيتعلّق بكلّ واحد منهما أمر غيريّ وجوبيّ ، فيلزم أن تكون ذواتها مستحبّة وواجبة كليهما بعنوان واحد ، فيضمحلّ الاستحباب .
وأمّا بناءً على ما ذكرناه : من أنّها بما أنّها عبادة مُقدّمة للصلاة وتعلّق بها أمر غيري ، فلا منافاة بين استحبابها ذاتاً ووجوبها بالغير ؛ لاختلاف متعلَّقَي الوجوب والاستحباب باختلاف العنوان ، فهي - بما أنّ ذواتها تصلح للعباديّة - مستحبّةٌ ، وبما أنّها عبادة وتتوقّف عليها الصلاة واجبةٌ ، نظير النذر إذا تعلّق بصلاة الليل كما تقدَّم .
وأمّا ما يظهر من بعض : من أنّ الأمر النذري يكتسب العباديّة من صلاة الليل في المثال ، وصلاة الليل تكتسب الوجوب من الأمر النذري « 1 » ، فلم نتعقّله ، ولم يُعلم المراد منه .
وإذا عرفت أنّ الطهارات الثلاث ممّا تصلح ذواتها للعباديّة والمقرّبيّة ، فلو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب ، جاز الصلاة به والاكتفاء به ؛ لعدم توقّف الصلاة إلّا على طهارة قربيّة ، وهي متحقّقة ، وكذا لو دخل الوقت ، لكن توضّأ بداعٍ آخر غير داعي التوصُّل بها إلى الصلاة ، مثل قراءة القرآن ، ولو توضّأ للتوصُّل بها إلى الصلاة بدون قصد القربة ، فهي باطلة مُطلقاً ، سواء كان قبل دخول الوقت أم بعده ، ولو توضّأ قبل دخول الوقت بداعي الاستحباب ، لكن يعلم بأنّه سيدخل الوقت ،
هامش
( 1 ) - فوائد الأصول 1 : 229 .