مجرىً للبراءة .
وهاتان صورتان .
والصورة الثالثة : ما لا يُعلم فيه إلّا وجوب ما يدور أمره بين الوجوب النفسي والغيري ؛ لاحتمال وجود واجب آخر في الواقع فعليّ يتوقّف حصوله على ما علم وجوبه إجمالًا ، فالحقّ فيها هو لزوم الإتيان بما عُلم وجوبه ؛ للعلم باستحقاق العقاب على تركه ؛ إمّا لنفسه أو لكونه مقدّمة لواجب فعليّ ؛ فإنّ ترك ما يُحتمل وجوبه النفسي المستند إلى ترك ما هو معلوم الوجوب ، ممّا يوجب العقاب ، وأمّا تركه من غير ناحيته فالمكلّف في سعة منه ، ويشمله أدلّة البراءة « 1 » .
أقول : أمّا الصورة الأولى ففيها :
أولًا : المفروض أنّه لا إطلاق فيها في مقام البيان حتى يتمسّك به ، فبناء على ما ذكره من جريان البراءة بالنسبة إلى تقييد الصلاة بالوضوء - مثلًا - لزم صحّة الصلاة بدون الوضوء ، وأمّا الوضوء فإنّه وإن علم وجوبه ، لكن المفروض أنّه مردّد بين الذي يترتّب على مخالفته العقاب - أي النفسي - وبين الذي ليس كذلك - أي الغيري - في الواقع ، ومجرّد العلم بالوجوب المردّد بينهما لا يكفي في حكم العقل بموافقته ، بل لا بدّ فيه من العلم تفصيلًا بأنّه نفسي ، ولا معنى للقدر الجامع بين ما يترتّب على تركه العقاب وبين ما ليس كذلك ، وبالجملة يشكّ المكلّف فيه في أنّ الوضوء واجب يترتّب على تركه العقاب أولا وإن علم بالمردّد بينهما ، والعقل لا يحكم فيه بوجوب موافقته ، ويحكم بقبح العقاب عليه ؛ لأنّه بلا بيان وبرهان نظير ما علم بأمر مردّد بين الوجوب والاستحباب أو بين المولوي والإرشادي .
وبعبارة أخرى : الحكم بالاشتغال إنّما هو فيها لو علم بالوجوب المبغوض تركه ، لا المردّد بين المبغوض تركه وبين غير المبغوض تركه ، كما فيما نحن فيه . نعم : لو
هامش
( 1 ) - انظر فوائد الأصول 1 : 222 - 224 .