والمثبِتات من الأصول اللفظيّة وإن كانت حجّة ، لكن لم يُحرز هنا بناء العقلاء على أصالة العموم ؛ لاحتمال اختصاص بنائهم عليها بما إذا لم يكن المراد معلوماً ، وأنّه أراد الحقيقة أو لا ، والمراد فيما نحن فيه معلوم « 1 » .
وقال المحقِّق العراقي قدس سره في توضيح ذلك ما حاصله : إنّ قوله : « أكرم العلماء » وإن كان بمنزلة الإخبار عن وجوب إكرامهم ؛ في جريان أصالة العموم وأصالة تطابق إرادتي الجدّ والاستعمال ، وأنّ عكس نقيضه هو أنّ من لا يجب إكرامه فهو ليس بعالم ، لكن حيث إنّ أصالة العموم والحقيقة أصل تعبّديّ من العقلاء ، فلا بدّ من إحراز التعبُّد به في إثبات هذا لعكس النقيض الذي هو لازم للقضيّة ، فإنّه لازم واقعيّ يحتاج في إثباته إلى وقوع التعبُّد به ، نظير أصالة الصحّة بالنسبة إلى ملزوماتها ، فإنّها من الأصول اللفظيّة ، لكن لا يثبت بها جميع الآثار العقليّة والواقعيّة ؛ لعدم إثبات الملزومات بها .
وبعبارة أخرى : السرّ في عدم جواز التمسُّك بالعموم فيما ذكر : هو أنّه إنّما يجوز التمسُّك بالعامّ في إثبات عدم كون الفرد المشكوك مصداقاً للعامّ ، مع العلم بأنّه ليس محكوماً بحكمه ، إذا فُرض أنّ العامّ متعرِّض لبيان حال الأفراد ، وقوله : « أكرم العلماء » ليس كذلك ، فلا يجوز التمسُّك به في نفي مصداقيّة المشكوك له ، كما مرّ في بيان عدم جوازه في الشبهة المصداقيّة ؛ لعدم الفرق بين ما نحن فيه وبين تلك المسألة إلّا أنّ المقصود هاهنا نفي مصداقيّة المشكوك له ، وهناك إثبات مصداقيّته له .
وبالجملة : حيث إنّ العمومات متكفّلة لبيان الحكم الكلي للأفراد بدون التعرُّض لتشخيص الأفراد وحالاتها ، فلا يجوز التمسّك بها لنفي فرديّة المشكوك لها « 2 » . انتهى .
هامش
( 1 ) - كفاية الأصول : 264 .
( 2 ) - مقالات الأصول 1 : 153 - 154 .