فنقول : لا ريب في أنّ لفظ « كلّ » في « أكرم كلّ عالم » - المفروض تخصيصه بالعدول - مستعمل في معناه الموضوع له ، وكذلك لفظ « عالم » ، وكذلك مادّة « أكرِم » وهيئته - أيضاً - مستعملة لإنشاء البعث الموضوع له ، فلم يستعمل واحدٌ من هذه المفردات في غير معناه الموضوع له ؛ ليلزم التجوُّز فيه ، غاية الأمر أنّ الداعي لإنشاء البعث : إمّا البعث أو الانبعاث الحقيقيّان ، أو أمر آخر ، كالامتحان أو السخرية أو غير ذلك ، مع استعمال الهيئة في معناها الموضوعة له ؛ أي إنشاء البعث .
وفيما نحن فيه استعملت الهيئة لإنشاء البعث الموضوع له ، لكنّه بالنسبة إلى إكرام العلماء العدول لغرض البعث والانبعاث حقيقةً ، وبالنسبة إلى إكرام جميعهم - العدول منهم والفسّاق - لداعي جعل القانون ، كما هو ديدن الموالي العرفيّة ودأبهم ؛ حيث إنّهم يجعلون الأحكام للمكلّفين بنحو العموم في مقام جعل القوانين ، ثم يذكرون المخصِّصات بعد ذلك ، فالهيئة مستعملة في معناها الحقيقي ، وأريد منها العموم بالإرادة الاستعماليّة ، لكن أريد منها البعث الحقيقي بالإرادة الجدّيّة بالنسبة إلى بعضهم .
وبالجملة : لا يلزم من تخصيص العامّ تجوُّز أصلًا ليرد عليه ما ذكر ، بل عرفت أنّ اللفظ في جميع موارد توهُّم المجاز مستعمل في معناه الحقيقي ، وأنّه اسند الفعل في
« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »
« 1 » إلى نفس القرية من دون أن يُقدَّر المضاف ؛ إذ لا ريب في أنّه لو قيل : « اسأل أهل القرية » لما كان فيه من الحسن ما في إسناده إلى نفس القرية ، لكن بدعوى أنّ المطلب بمكان من الظهور حتّى أنّه تدركه نفس القرية العادمة للشعور أيضاً ، وكذلك لفظ « السماء » في قول الشاعر :
إذا نزل السماء بأرض قومٍ « 2 » . . . الخ .
هامش
( 1 ) - يوسف : 82 .
( 2 ) - صدر بيت لجرير بن عطية التميمي على ما في جامع الشواهد 1 : 99 ، ولمعاوية بن مالك على ما في لسان العرب 6 : 379 ، وحاشية السبكي على تلخيص المفتاح ، شروح التلخيص 4 : 327 ، وعجزه : رعيناه وإن كانوا غضابا .